العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تحول ملف التعليم خلال الجلسة الشهرية المخصصة للأسئلة الشفهية الموجهة إلى رئيس الحكومة بمجلس النواب، إلى واجهة جديدة للتجاذب السياسي بين الأغلبية والمعارضة حول حصيلة الحكومة وآثار سياساتها الاجتماعية، وذلك في سياق نقاش حمل عنوان “دور منظومة التربية والتكوين في بناء المغرب الصاعد: الاختيارات الحكومية والآفاق”.
في الوقت الذي قدم فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش حصيلة اعتبرها غير مسبوقة في مجال إصلاح التعليم، ركزت مكونات المعارضة على ما وصفته بالفجوة بين المؤشرات المعلنة والواقع المعيشي للأسر المغربية، معتبرة أن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية أو عدد المناصب المحدثة، بل بمدى تأثيره الفعلي على جودة التعلمات والعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية للمواطنين.
في عرضه أمام النواب أكد رئيس الحكومة أن إنصاف نساء ورجال التعليم شكل أحد أبرز عناوين الولاية الحكومية الحالية، مشيرا إلى إحداث 109 آلاف منصب مالي بين سنتي 2021 و2025، منها نحو 99 ألف منصب لفائدة أطر التدريس.
كما استعرض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة الملفات الاجتماعية والمهنية داخل القطاع، وعلى رأسها تسوية وضعية أزيد من 115 ألف أستاذ من أطر الأكاديميات، وإقرار زيادة عامة في الأجور بقيمة 1500 درهم، إضافة إلى توسيع الاستفادة من الترقيات والتعويضات المهنية.
واعتبر أخنوش أن هذه التدابير تعكس إرادة حكومية لإعادة الاعتبار لمهنة التدريس وتعزيز جاذبيتها، مؤكدا أن كتلة الأجور في القطاع ارتفعت من 48 مليار درهم سنة 2021 إلى نحو 78 مليار درهم سنة 2026.
ساندت فرق الأغلبية عرض رئيس الحكومة معتبرة أن التعليم يشكل ركيزة أساسية في مشروع “المغرب الصاعد” وأن الإصلاحات الجارية تعكس توجها استراتيجيا للاستثمار في الرأسمال البشري.
واعتبر فريق التجمع الوطني للأحرار أن الحكومة انتقلت من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للإصلاحات، مستحضرا رفع ميزانية القطاع وتسوية عدد من الملفات الاجتماعية العالقة.
كما دافعت مكونات الأغلبية عن مشاريع الإصلاح الجديدة، وفي مقدمتها “مدارس الريادة”، باعتبارها إحدى الأدوات الرامية إلى تحسين جودة التعلمات والرفع من مردودية المدرسة العمومية.
غير أن مداخلات من داخل الأغلبية نفسها لم تخل من ملاحظات وانتقادات، خاصة من طرف فريق الأصالة والمعاصرة والفريق الاستقلالي، اللذين أثارا عددا من الإشكالات المرتبطة بتعميم مدارس الريادة، واستمرار الهدر المدرسي، والتفاوتات المجالية، وضعف البنيات التحتية التعليمية في عدد من المناطق القروية والجبلية.
في المقابل اختارت المعارضة مقاربة مختلفة، إذ لم تركز على الأرقام والمؤشرات التي قدمتها الحكومة بقدر ما سعت إلى مساءلة أثر هذه الإصلاحات على الواقع اليومي للمواطنين.
اعتبر محمد أوزين عن الفريق الحركي أن المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة تظل مصدر فخر واعتزاز، غير أن الرهان الحقيقي يبقى في قدرة هذه الدينامية على تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز قدرتهم الشرائية وتوفير فرص الشغل والخدمات الأساسية.
وربط أوزين نجاح “المغرب الصاعد” بمدى انعكاسه على حياة الأسر المغربية، معتبرا أن الاستثمار في الإنسان يظل المؤشر الأكثر دلالة على نجاح السياسات العمومية.
أما فريق التقدم والاشتراكية فشدد على أن ارتفاع الميزانيات المخصصة للتعليم لا يمثل في حد ذاته دليلا على نجاح الإصلاح، مطالبا بإجراء تقييم موضوعي لتجربة مدارس الريادة وبالإنصات إلى مختلف الفاعلين التربويين.
من جانبه وجه الفريق الاشتراكي انتقادات سياسية أوسع للحكومة، معتبرا أن الجلسة تحولت إلى مناسبة للدفاع عن الحصيلة الحكومية أكثر من كونها فضاء للمساءلة السياسية، كما دعا إلى فتح نقاش حول قضايا اجتماعية واقتصادية يعتبرها أكثر إلحاحا، وعلى رأسها غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي السياق ذاته أعلن رئيس الفريق الاشتراكي عبد الرحيم شهيد دعمه لمبادرة إحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن مختلف برامج الدعم العمومي، معتبرا أن الرأي العام يحتاج إلى معطيات أوضح حول آثار هذه التدابير ونتائجها الفعلية.
أظهرت الجلسة أن الخلاف بين الحكومة ومعارضيها لم يعد يدور فقط حول حجم الموارد المرصودة للتعليم أو عدد الإصلاحات المنجزة، بل انتقل إلى مستوى أعمق يتعلق بكيفية قياس نجاح هذه الإصلاحات.
فبينما تستند الحكومة وأغلبيتها إلى مؤشرات مالية وإدارية تعتبرها دليلا على تقدم ورش الإصلاح، تركز المعارضة على مؤشرات الأثر الاجتماعي وجودة الخدمات التعليمية واستمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية.











