بين التدخل الأمني وغياب التأطير: مواجهات القاصرين بالعيون تكشف خللا تربويا مقلقا

محرر مقالات3 أبريل 2026
بين التدخل الأمني وغياب التأطير: مواجهات القاصرين بالعيون تكشف خللا تربويا مقلقا

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / العيون.

 

لم تعد الأحداث التي شهدها حيا “لحشيشة” و“الدويرات” بمدينة العيون تصنف ضمن خانة السلوكات العرضية بين قاصرين، بعدما تحولت إلى مواجهات جماعية استعملت فيها الحجارة، في مشاهد موثقة انتشرت على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الأخيرة، الواقعة التي استدعت تدخلا أمنيا سريعا، تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعتها، وما تعكسه من مؤشرات على تحول بعض الأحياء السكنية إلى فضاءات مفتوحة لسلوكيات عنيفة خارج أي تأطير تربوي أو اجتماعي.

 

أظهرت الواقعة مستوى عاليا من الجاهزية لدى المصالح الأمنية، مصالح الأمن بالدائرتين الأمنيتين الخامسة والسادسة بالمنطقة الأمنية الثانية بولاية أمن العيون التي تفاعلت بشكل فوري مع مقاطع الفيديو المتداولة، حيث باشرت تحرياتها الميدانية والتقنية، ومكنت في ظرف وجيز من تحديد هويات عدد من المتورطين وتوقيفهم.

 

ويعكس هذا التدخل تطورا ملحوظا في آليات العمل الأمني، التي لم تعد تقتصر على التواجد الميداني التقليدي، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الرصد الرقمي والتفاعل مع المحتوى المنشور على الفضاءات الافتراضية، باعتبارها مصدرا أساسيا للمعلومة ومؤشرا مبكرا على بؤر التوتر الاجتماعي.

 

تندرج هذه الأحداث ضمن سياق اجتماعي أوسع، يتسم بتغيرات متسارعة في أنماط التنشئة والتفاعل داخل الأوساط الحضرية، خاصة في صفوف الفئات العمرية الصغيرة، فقد أضحت بعض السلوكات الجماعية، التي كانت تعتبر في السابق حالات معزولة، تتخذ طابعا تنظيميا عفويا، تغذيه عوامل متعددة، من بينها التأثير المتزايد للمحتوى الرقمي، وغياب التأطير الكافي للوقت الحر.

 

وتكشف هذه التحولات عن بروز أنماط جديدة من التفاعل بين القاصرين، حيث تتحول الخلافات البسيطة إلى مواجهات جماعية، تتجاوز في حدتها الإطار الطبيعي لسلوكيات الطفولة والمراهقة، بما يحمله ذلك من مخاطر على السلامة الجسدية والنفسية للأفراد.

 

لا تقف انعكاسات مثل هذه الوقائع عند حدود الحادثة في حد ذاتها، بل تمتد لتشمل الإحساس العام بالأمن داخل الأحياء السكنية، خاصة عندما تتكرر مثل هذه المشاهد أو يتم تداولها بشكل واسع، كما تطرح هذه السلوكيات تحديات إضافية أمام الفاعلين المؤسساتيين، في ظل الحاجة إلى موازنة المقاربة الزجرية مع آليات الوقاية والتأطير.

 

وعلى المستوى الوطني، تبرز هذه الأحداث كجزء من نقاش أوسع حول سبل حماية الطفولة من الانزلاق نحو مسارات سلوكية منحرفة، في ظل التحولات الرقمية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع.

 

ورغم أهمية التدخل الأمني في احتواء مثل هذه الحالات، فإن المعالجة المستدامة لهذه الظواهر تظل مرتبطة بعوامل أعمق، في مقدمتها دور الأسرة باعتبارها الفضاء الأول للتنشئة، فغياب التوجيه والمواكبة قد يفتح المجال أمام انخراط القاصرين في سلوكيات جماعية غير محسوبة العواقب.

 

كما يبرز دور المدرسة وباقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية في ترسيخ قيم الحوار والتعايش، وتعزيز مهارات إدارة الخلاف، بما يحد من احتمالات تحول النزاعات البسيطة إلى أعمال عنف.

 

تشير معطيات هذه الواقعة إلى أن الحفاظ على الأمن المجتمعي لم يعد مسؤولية حصرية للأجهزة المختصة، بل أصبح رهينا بتكامل أدوار مختلف الفاعلين، من أسرة ومؤسسات تربوية ومحيط اجتماعي.

 

وفي هذا السياق تبدو أحداث العيون بمثابة مؤشر دال على تحولات أعمق تستدعي قراءة متأنية، قوامها الانتقال من رد الفعل إلى بناء آليات وقائية قادرة على استيعاب تحولات السلوك داخل المجتمع، بما يضمن حماية الفئات الناشئة وتحصينها من الانزلاقات المحتملة.

الاخبار العاجلة