العيون الآن.
يوسف بوصولة
بعد أربعة عشر عاما من دخول القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا حيز التنفيذ، عاد البرلمان لفتح النقاش حول حصيلة هذه المنظومة ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي عرفتها الإدارة المغربية، وذلك بمناسبة المصادقة على مشروع القانون التنظيمي رقم 026.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا.
كشف تقرير لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب أن التجربة الممتدة منذ سنة 2012 أظهرت الحاجة إلى تقييم المنظومة الحالية وتحيينها بما ينسجم مع التحولات المؤسساتية والإدارية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
صادق مجلس النواب خلال جلسة تشريعية عقدها يوم الاثنين، بالأغلبية على مشروع القانون التنظيمي الجديد، الذي لا يتجه نحو مراجعة شاملة لمنظومة التعيين، بقدر ما يهدف إلى ملاءمة النص القانوني مع المستجدات التي طرأت على البنية المؤسساتية للدولة.
ويتضمن المشروع إدراج الوكالة الوطنية لحماية الطفولة ضمن المؤسسات العمومية الاستراتيجية التي يتم التداول بشأن تعيين مسؤوليها في المجلس الوزاري، إلى جانب تحيين تسمية المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لموظفي العدل، وإضافة منصب المحافظين القضائيين العامين إلى لائحة المناصب العليا التي يتم التداول بشأنها داخل مجلس الحكومة.
غير أن النقاش البرلماني امتد إلى مساءلة الفلسفة العامة التي تؤطر التعيين في المناصب العليا حيث اعتبر عدد من النواب أن التحولات التي عرفتها الإدارة العمومية خلال السنوات الأخيرة تفرض إعادة النظر في آليات الانتقاء وتطوير معايير الاختيار بما يضمن استقطاب الكفاءات القادرة على تنزيل السياسات العمومية وتحقيق النجاعة المطلوبة.
وأكد متدخلون خلال المناقشة العامة أن المسؤوليات العليا داخل الإدارة لم تعد مجرد مناصب تدبيرية، بل أصبحت مواقع استراتيجية ترتبط مباشرة بفعالية البرامج العمومية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ما يقتضي اعتماد معايير دقيقة وشفافة تقوم على الكفاءة والاستحقاق والقدرة على التدبير والقيادة.
في هذا السياق برزت دعوات إلى اعتماد تقييم دوري لمدى نجاعة المسؤولين المعينين وربط استمرارهم في مناصبهم بالنتائج المحققة على أرض الواقع، في توجه يعكس تنامي المطالب البرلمانية بالانتقال من منطق التعيين إلى منطق التقييم والمساءلة.
كما أثار عدد من النواب تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة لإدراج أو حذف مؤسسات ومناصب من اللوائح الخاضعة للقانون التنظيمي، وكذا الكيفية التي يتم بها اختيار المرشحين وتفعيل مساطر التعيين، خاصة في ظل الرهانات المرتبطة بتحديث الإدارة العمومية وتسريع ورش اللاتمركز الإداري.
من جهتها، أوضحت الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن مسطرة التعيين تمر عبر مراحل محددة تبدأ بفتح باب الترشيحات وتنتهي بالتعيين، مشيرة إلى أن بعض حالات التأخير ترتبط أحيانا بعدم توفر مرشحين يستجيبون للمواصفات المطلوبة أو بعدم اقتناع لجان الانتقاء بالملفات المقدمة.
وبخصوص مبدأ المناصفة كشفت المسؤولة الحكومية عن تطور ملحوظ في حضور النساء داخل المناصب العليا، إذ ارتفعت نسبة النساء في المناصب الاستراتيجية التي يتم التداول بشأنها في المجلس الوزاري من 2 في المائة سنة 2017 إلى 20 في المائة سنة 2025، فيما انتقلت نسبة التعيينات النسائية التي يتم التداول بشأنها داخل المجلس الحكومي من 11 في المائة سنة 2012 إلى 26 في المائة سنة 2025.
ورغم الطابع التقني للتعديلات المقترحة، فإن النقاش الذي رافقها أعاد إلى الواجهة سؤالا ظل مطروحا منذ اعتماد القانون التنظيمي سنة 2012: إلى أي حد نجحت منظومة التعيين في المناصب العليا في ترسيخ ثقافة الاستحقاق والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها الإدارة المغربية ومتطلبات الحكامة الجيدة التي يكرسها الدستور؟











