العيون الآن.
يوسف بوصولة
لم تعد تحركات جبهة البوليساريو في القارة الإفريقية تعكس دينامية هجومية بقدر ما توحي بمحاولة احتواء مسلسل متواصل من التراجع الدبلوماسي الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة. فبعد خسارة عدد من مواقف الدعم في أمريكا اللاتينية، وتنامي الاعتراف الدولي بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع، وجدت الجبهة نفسها مضطرة إلى العودة نحو آخر الدوائر التقليدية التي ما تزال تمنحها دعما سياسيا محدودا وباهتا.
الجولة التي قادت ما يسمى بـ”وزير خارجية” البوليساريو إلى ليسوتو وأنغولا وناميبيا وبوتسوانا، بالتزامن مع تحرك آخر داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لا تعكس توسعا في النفوذ بقدر ما تؤكد انكماش خارطة الحلفاء. فالدول المستهدفة ليست جديدة على مواقفها، بل تمثل ما تبقى من دائرة الدعم التاريخية التي تشكلت خلال حقبة الحرب الباردة، في وقت تغيرت فيه موازين القوى والمواقف داخل القارة الإفريقية بشكل لافت.
واللافت أن بعض محطات الجولة نفسها كشفت محدودية الزخم الذي كانت الجبهة تراهن عليه. ففي أنغولا على سبيل المثال لم يجر استقبال مبعوثها على أعلى مستوى، واكتفى الجانب الأنغولي بلقاء مع كاتبة الدولة المكلفة بالشؤون الخارجية، وهو ما يعكس برودة في مستوى التعاطي مقارنة بما كانت تحظى به الجبهة في مراحل سابقة.
تأتي هذه التحركات في ظرفية دقيقة بالنسبة للبوليساريو بعد سلسلة من الانتكاسات في أمريكا اللاتينية، كان أبرزها تعليق هندوراس اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، إلى جانب مؤشرات سياسية توحي بإمكانية تغير مواقف دول أخرى، فضلا عن الانفتاح الأمريكي على فاعلين صحراويين آخرين، وهو ما يكرس مشهدا سياسيا أكثر تعقيدا بالنسبة للجبهة.
في المقابل. واصل المغرب خلال السنوات الأخيرة توسيع حضوره داخل إفريقيا عبر شراكات اقتصادية واستثمارات استراتيجية ومشاريع تنموية، إلى جانب تعزيز حضوره داخل الاتحاد الإفريقي. كما شهدت الأقاليم الجنوبية افتتاح عشرات القنصليات العامة لدول إفريقية وعربية، في خطوة اعتبرتها الرباط تجسيدا للدعم المتزايد لمغربية الصحراء وللدينامية التي تعرفها القضية على المستوى الدولي.
لهذا تبدو الجولة الأخيرة أقرب إلى محاولة الحفاظ على ما تبقى من شبكة الحلفاء التقليديين، أكثر من كونها مؤشرا على اختراقات دبلوماسية جديدة. فالجبهة لم تقدم خلال هذه التحركات أي مكسب نوعي يتمثل في اعتراف جديد أو تحول في مواقف دول كانت تدعم المغرب، بل انحصرت لقاءاتها في دول معروفة سلفا بمواقفها، وهو ما يعزز الانطباع بأن هامش المناورة أصبح أكثر ضيقا من أي وقت مضى.
وفي ظل التحولات التي تشهدها موازين القوى داخل إفريقيا وخارجها، تبدو معركة البوليساريو اليوم دفاعية أكثر منها هجومية، عنوانها الأساسي محاولة منع تآكل ما تبقى من رصيدها الدبلوماسي، بينما تتجه الدينامية الإقليمية والدولية بشكل متزايد نحو مقاربات سياسية واقعية تركز على الحلول العملية، بدل إعادة إنتاج مواقف لم تعد تحظى بنفس الزخم الذي كانت تعرفه في العقود الماضية











