العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لم تكد النيران تخمد في عدد من الولايات الجزائرية حتى نقل الرئيس عبد المجيد تبون النقاش من أسباب الكارثة ومستوى الاستعداد لمواجهتها إلى ساحة العقوبات، واضعا تنفيذ أحكام الإعدام في صدارة الرد الرسمي على الحرائق التي خلفت خسائر بشرية ومادية وبيئية ثقيلة.
خلال اجتماع مجلس الوزراء في 6 شتنبر أصر تبون على تعديل قانون العقوبات بما يسمح بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق مدبري ومرتكبي الحرائق العمدية، إلى جانب خاطفي القاصرين ومن يمارسون عليهم التعذيب، وفق ما جاء في البيان الرسمي للرئاسة الجزائرية.
وبينما تقدم السلطة الخطوة باعتبارها تشديدا ضروريا للردع فتح توقيتها نقاشا سياسيا وحقوقيا مختلفا داخل الجزائر: هل تحتاج البلاد بعد الحرائق إلى عقوبات أشد، أم إلى إجابات حول أسباب اتساع الكارثة ومدى جاهزية مؤسسات الدولة لمنعها واحتوائها؟
تكمن المفارقة في أن عقوبة الإعدام ليست جديدة على التشريع الجزائري، كما أن المحاكم ظلت تصدر أحكاما بها خلال فترة وقف التنفيذ. الجديد الذي يحمله توجه تبون هو فتح الباب أمام العودة إلى التنفيذ الفعلي بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد.
وبذلك انتقل جزء كبير من النقاش سريعا من تقييم تدبير الحرائق إلى البحث عن أقصى عقوبة يمكن إنزالها بمن تثبت مسؤوليته عن إضرامها عمدا.
غير أن وجود شبهة العمل الإجرامي في بعض الحرائق لا يلغي أسئلة أخرى طرحتها الكارثة نفسها: ماذا عن الوقاية؟ وماذا عن سرعة التدخل؟ وهل كانت الإمكانات البشرية واللوجستية متناسبة مع مستوى المخاطر؟
هذه الأسئلة حضرت حتى داخل الطبقة السياسية الجزائرية. فالأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون دعت إلى تحقيقات تحدد بدقة أسباب الحرائق، من الأعمال الإجرامية المحتملة إلى الظروف المناخية وحالة الغابات ومستوى وسائل الوقاية والتدخل، وانتقدت ضعف الإمكانات البشرية والمادية لدى بعض أجهزة الحماية المدنية ومصالح الغابات والجماعات المحلية.
قرار تبون يكتسب ثقله أيضا من التاريخ الجزائري نفسه مع العقوبة. فالجزائر تحتفظ بالإعدام داخل تشريعاتها لكنها تطبق وقفا فعليا للتنفيذ منذ سنة 1993. كما دعمت منذ 2007 داخل الأمم المتحدة القرارات المتعلقة بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام. لذلك لا يتعلق النقاش الحالي بمجرد تشديد نص جنائي وإنما باحتمال إنهاء سياسة استمرت 33 عاما.
وهو ما يفسر الانقسام الذي أحدثه القرار. فبينما حظي التوجه بمساندة جهات سياسية وقانونية اعتبرت العودة إلى التنفيذ وسيلة لتحقيق الردع في الجرائم الخطيرة، رفضته قوى معارضة رأت أن تشديد العقوبات لا يمكن أن يكون بديلا عن الوقاية ومعالجة أسباب الأزمات.
وقالت حنون إن الإعدام لم يكن حلا لوقف الجريمة محذرة كذلك من الطبيعة غير القابلة للتراجع للعقوبة في حالة وقوع خطأ قضائي.
لكن توقيت القرار هو الذي يمنحه بعده السياسي الأكبر. فالسلطة الجزائرية تواجه كارثة خلفت صدمة مجتمعية وخسائر واسعة، وفي مثل هذه الظروف لا يتعلق السؤال فقط بمن أشعل النار إذا ثبت أنها متعمدة، وإنما أيضا بمن كان مسؤولا عن منع تحولها إلى كارثة، ومدى كفاية منظومة الإنذار والتدخل والإجلاء والحماية.
الأولى تتبناها الرئاسة وتضع الردع الجنائي في مقدمة الجواب، وصولا إلى أقصى عقوبة ممكنة.
أما الثانية التي عبرت عنها أصوات معارضة، فترى أن البحث عن الجناة لا ينبغي أن يحجب تقييم مسؤولية المؤسسات وقدرتها على الوقاية والاستجابة.
وبهذا المعنى يمكن لعقوبة الإعدام أن تتحول من موضوع جنائي إلى عنوان سياسي يطغى على بقية الأسئلة التي خلفتها الحرائق.
فكلما ارتفع النقاش حول “من يجب إعدامه؟” تراجع إلى الخلف سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف وصلت الحرائق أصلا إلى هذا الحجم، وهل كان بالإمكان تقليص خسائرها؟
التوجه الجديد لا يأتي أيضا في فراغ سياسي. فالجزائر عاشت خلال السنوات الأخيرة نقاشا مستمرا حول المجال العام وحدود الاحتجاج والمعارضة، وهو ما يجعل أي توسع في الأدوات العقابية الشديدة محل تدقيق أكبر من القوى الحقوقية والسياسية.
غير أن الربط المباشر بين العودة المحتملة لتنفيذ الإعدام وبين “إسكات الشارع” يحتاج إلى أدلة مستقلة حتى يتحول من فرضية سياسية إلى حقيقة مثبتة. ما يمكن رصده بالفعل هو أن السلطة اختارت، في أعقاب أزمة داخلية شديدة الحساسية، تقديم الردع كأحد أبرز أجوبتها، بينما تطالب أصوات من الداخل بتحويل النقاش نحو الوقاية والمحاسبة والجاهزية. وهذه المفارقة هي التي تجعل قرار تبون أكبر من مجرد تعديل في قانون العقوبات.
قد تنجح العقوبات المشددة في تقديم صورة دولة تتحرك بقوة ضد من يثبت تورطه عمدا في إحراق الغابات، لكن الإعدام مهما بلغت شدته، لن يجيب بمفرده عن الأسئلة التي تركتها النيران وراءها.
فالتحقيق في المسؤوليات الجنائية مسار ومراجعة قدرة الدولة على توقع الكوارث والاستعداد لها وحماية السكان مسار آخر.
وبين المسارين اختارت الرئاسة الجزائرية حتى الآن أن ترفع سقف العقاب إلى أقصاه. لكن بعد انطفاء الحرائق يبقى السؤال الذي لا تستطيع عقوبة الإعدام إخماده: هل كانت المأساة تحتاج فعلا إلى عقوبة جديدة، أم إلى منظومة تمنع تحول الحريق القادم إلى مأساة جديدة؟




