العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
كشفت النتائج الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة لعام 2026 عن ارتفاع معدل انتشار الإعاقة في المغرب إلى 8.7 في المائة، مقابل 6.8 في المائة سنة 2014 أي بزيادة قدرها 1.9 نقطة مئوية.
لا تعكس هذه الزيادة بالضرورة ارتفاعا فعليا في عدد الأشخاص في وضعية إعاقة فقط، إذ ترتبط أيضا بتطور أدوات الرصد والقياس واعتماد منهجية أكثر دقة، مكنت من رصد حالات وصعوبات وظيفية كانت أقل ظهورا في الأبحاث السابقة.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 29 في المائة من الأسر المغربية أصبحت معنية بوضعية الإعاقة، بما يعني أن أسرة واحدة تقريبا من كل ثلاث أسر تواجه هذه الوضعية، مقابل أسرة من كل أربع تقريبا في البحث السابق.
جاء البحث بعد 12 عاما من آخر بحث وطني واعتمد عينة شملت 20 ألفاً و412 أسرة، بمشاركة 236 باحثا ميدانيا موزعين على 47 فريقا، فيما لم تتجاوز نسبة رفض المشاركة من الأسر 2 في المائة.
كما استفاد البحث من أدوات رقمية لجمع المعطيات بشكل آني، إلى جانب اعتماد أدوات قياس طورتها مجموعة واشنطن ومنظمة اليونيسيف خاصة في ما يتعلق بالأطفال.
وسمح ذلك بتوسيع الاستبيان إلى أكثر من 300 سؤال وإدراج مواضيع لم تكن تحظى بالتغطية نفسها في الأبحاث السابقة، من بينها طيف التوحد والاضطرابات العصبية.
يهدف البحث إلى تحيين مؤشرات انتشار الإعاقة ورصد ظروف عيش الأشخاص في وضعية إعاقة ومدى استفادتهم من حقوقهم، وتحديد العوائق التي تحول دون الولوج إلى الخدمات، بما يوفر قاعدة للسياسات العمومية المتعلقة بالإدماج والحماية الاجتماعية.
تكشف النتائج الأولية عن تفاوتات كبيرة بحسب السن والجنس والمجال الترابي. وترتفع نسبة الإعاقة بشكل ملحوظ مع التقدم في السن، إذ تصل إلى نحو 26 في المائة لدى المسنين والشيوخ، كما تسجل النساء معدلات أعلى مقارنة بالرجال.
وعلى المستوى الجهوي تتراوح نسب الانتشار بين 14.2 في المائة بجهة بني ملال خنيفرة و2.4 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب. لكن خريطة الإعاقة الشديدة لا تتطابق بالضرورة مع خريطة الانتشار العام، إذ بلغ معدل الإعاقة الشديدة وطنيا 2.3 في المائة، وهو ما يجعل توجيه البرامج الاجتماعية والصحية مرتبطا بخصوصية واحتياجات كل جهة.
تضع المعطيات المتعلقة بالتشخيص والحماية الاجتماعية جزءا آخر من التحديات أمام السياسات العمومية.
فـ29.7 في المائة فقط من الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على تشخيص طبي، بينما تمثل الأمراض غير الوراثية والحالة الصحية الأسباب الرئيسية للإعاقة بنسبة تتجاوز 56 في المائة.
ورغم توسع التغطية الصحية فإن نحو 63 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة يستفيدون منها، في وقت يؤكد 65.6 في المائة منهم أن مصاريف الأدوية لا تزال تتحملها أسرهم، بما يعكس استمرار العبء المالي المرتبط بالعلاج والتكفل.
في التعليم يظهر رفض التسجيل بسبب الإعاقة كأبرز عائق أمام الولوج إلى المدرسة بنسبة بلغت 42.4 في المائة، يليه عجز الأسر عن توفير المرافقة بنسبة 26.9 في المائة.
أما في سوق الشغل فلا تتجاوز نسبة التشغيل الإجمالية للأشخاص في وضعية إعاقة 12.7 في المائة، مع فارق كبير بين الرجال والنساء؛ إذ تبلغ النسبة 23 في المائة لدى الرجال مقابل 4 في المائة فقط لدى النساء.
وتتضاعف صعوبات الإدماج بفعل محدودية الولوجيات المعمارية والنفاذ إلى العالم الرقمي، إذ لا يلج إلى شبكة الإنترنت سوى 20 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة، رغم توفر الأغلبية على هواتف محمولة.
لا تتوقف خلاصات البحث عند تشخيص الاختلالات بل تكشف أيضا عن طبيعة الأولويات التي يطرحها الأشخاص في وضعية إعاقة. وتتصدر المجانية في العلاجات قائمة المطالب، بنسبة تفوق 77 في المائة، إلى جانب توفير المنح المدرسية والمرافقين لمساعدة الأطفال على متابعة الدراسة، وتفعيل حصة التشغيل المنصوص عليها قانونا لدعم الإدماج المهني.
تعكس هذه المطالب وفق خلاصات البحث، انتقالا متزايدا من التركيز على الاعتراف بالحقوق من الناحية القانونية إلى المطالبة بضمان ممارستها فعليا، بما يسمح للأشخاص في وضعية إعاقة بالعيش باستقلالية أكبر والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وبذلك لا يقدم البحث الوطني الجديد مجرد أرقام حول حجم الإعاقة بالمغرب، بل يرسم مؤشرات دقيقة حول الفجوة بين الحقوق والخدمات المتاحة، ويضع أمام السياسات العمومية تحدي الانتقال من التشخيص إلى حلول أكثر استهدافا، تراعي الفوارق الجهوية والعمرية والاجتماعية وتستجيب لحاجيات الأسر والأشخاص المعنيين.




