العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لا تبدو الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر الجاري بجهات الصحراء المغربية مجرد محطة دورية لاختيار ممثلي السكان في مجلس النواب، إذ يأتي الاقتراع هذه المرة في سياق سياسي مختلف، تتقاطع فيه التحولات التي يعرفها المجتمع المحلي مع التطورات المتسارعة التي شهدها ملف الصحراء خلال العام الأخير واقتراب عودته إلى مجلس الأمن في أكتوبر المقبل.
تكتسب الانتخابات في الأقاليم الجنوبية عادة اهتماما يتجاوز المنافسة بين الأحزاب والمرشحين، بالنظر إلى خصوصية البنية الاجتماعية للمنطقة وحضور القبيلة والعائلات السياسية والأعيان في تشكيل الخريطة الانتخابية، إلى جانب البعد الذي تكتسبه المؤسسات المنتخبة محليا ضمن النقاش السياسي والدبلوماسي المرتبط بقضية الصحراء.
لكن انتخابات 2026 تأتي أمام مجتمع لم يعد هو نفسه الذي تشكلت داخله الخريطة السياسية قبل عقود.
جيل جديد من الشباب واتساع المدن، وارتفاع مستويات التعليم، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل أعادت تشكيل العلاقة بين الناخب والمرشح، وبدأت تدريجيا في رفع سقف المطالب من مجرد الانتماء القبلي والعائلي إلى القدرة على التواصل والتدبير والترافع عن المصالح المحلية.
تظل القبيلة مكونا أساسيا من مكونات المجتمع الصحراوي، ويظل للأعيان والعائلات ذات الامتداد الاجتماعي حضور واضح في الانتخابات، غير أن امتلاك رصيد قبلي لم يعد يعني بالضرورة ضمان الفوز.
فالمنافسة أصبحت أكثر تعقيدا وقد يجد مرشح يستند إلى امتداد قبلي قوي نفسه أمام منافس يمتلك حضورا اجتماعيا أوسع أو تنظيما انتخابيا أكثر فعالية أو قدرة أكبر على التواصل مع الشباب وبناء التحالفات.
ومن هنا يبدو المشهد الانتخابي في الصحراء أمام تحول تدريجي وليس قطيعة مفاجئة مع الماضي. فالعائلات السياسية والأعيان لن تختفي بين استحقاق وآخر، لكن طبيعة الدور الذي تلعبه هذه النخب مرشحة للتغير مع بروز جيل جديد يبحث عن شرعية انتخابية تجمع بين الرصيد الاجتماعي والكفاءة السياسية والقدرة على العمل داخل المؤسسات.
وفي الدولة الحديثة لا تستطيع القبيلة أن تحل محل المؤسسة. قد تساعد المرشح على بناء امتداده الاجتماعي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد جودة أدائه داخل البرلمان أو قدرته على الدفاع عن ملفات دائرته الانتخابية.
يكتسب هذا التحول أهمية إضافية عندما يوضع في سياق قضية الصحراء. فمجلس الأمن، في قراره 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، جدد دعمه للعملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ودعا إلى مفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، معتبرا أن حكما ذاتيا حقيقيا يمكن أن يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتحقق، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.
وإذا تحرك المسار السياسي مستقبلا باتجاه صيغة أكثر تقدما للحكم الذاتي، فإن النقاش لن يتعلق فقط بشكل التسوية السياسية، بل أيضا بطبيعة المؤسسات المحلية التي ستدير الاختصاصات، وبالنخب التي ستمثل السكان داخل هذه المؤسسات.
وهنا تصبح الانتخابات أكثر ارتباطا بسؤال الشرعية التمثيلية. فالمنتخب في الأقاليم الجنوبية لا يتحرك فقط داخل مجلس جماعي أو جهوي أو داخل البرلمان، وإنما أصبح حضور المنتخبين القادمين من المنطقة جزءا من النشاط السياسي والدبلوماسي المغربي المتعلق بالقضية.
ولهذا فإن التحول الأهم الذي قد تعرفه الخريطة السياسية في الصحراء خلال السنوات المقبلة لا يتمثل بالضرورة في اختفاء الأعيان، وإنما في تغير الشروط المطلوبة لاستمرارهم.
فالمكانة الاجتماعية أو الاسم العائلي أو الامتداد القبلي يمكن أن توفر نقطة انطلاق، لكن استمرار النفوذ السياسي سيصبح مرتبطا أكثر بالقدرة على الحصول على ثقة الناخبين، وتحقيق نتائج محلية، والترافع داخل المؤسسات، والتعامل مع ملفات اقتصادية واجتماعية أصبحت أكثر تعقيدا. وهو تحول يرتبط أيضا بتغير القاعدة السكانية نفسها.
فالشباب الذين ولدوا ونشؤوا في مدن مثل العيون والداخلة والسمارة وبوجدور يعيشون واقعا مختلفا عن الأجيال السابقة، وتتصل مطالبهم اليوم بالتشغيل والسكن والتعليم والصحة والاستثمار وجودة الخدمات والفرص الاقتصادية، إلى جانب القضايا السياسية الكبرى.
وهذا يجعل المرشح أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على امتداده داخل البنية الاجتماعية التقليدية، وفي الوقت نفسه تقديم نفسه ممثلا سياسيا قادرا على مخاطبة جيل جديد لا تحكم خياراته الاعتبارات نفسها التي كانت تتحكم في أجيال سابقة.
وتصبح المسألة أكثر أهمية عند النظر إلى ما يمكن أن يفرضه أي تطور مستقبلي في ملف الحكم الذاتي. فكلما توسعت اختصاصات المؤسسات المحلية، ارتفع مستوى المسؤولية المطلوبة من المنتخبين الذين سيديرونها.
إدارة نموذج حكم ذاتي إذا أصبح مستقبلا أساس تسوية متوافق عليها، لن تكون مجرد امتداد للعمل الانتخابي التقليدي، بل ستتطلب نخبا قادرة على التشريع والتدبير والتفاوض وإدارة الموارد والاستثمارات والترافع عن المصالح المحلية داخل مؤسسات ذات صلاحيات أوسع.
وهنا قد يكون التحول الحقيقي أعمق من مجرد تغيير أسماء داخل البرلمان. إنه انتقال محتمل من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الزعامة الاجتماعية إلى نموذج تصبح فيه الكفاءة المؤسساتية جزءا أساسيا من صناعة الزعامة نفسها.
لهذا تحمل الأسابيع المقبلة محطتين مختلفتين في الشكل لكنهما تتقاطعان سياسيا.
في 23 شتنبر يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب ضمن استحقاق وطني يشمل مختلف جهات المملكة، فيما تنتهي الولاية الحالية لبعثة المينورسو في 31 أكتوبر، وهي المحطة التي تعيد قضية الصحراء إلى واجهة مجلس الأمن.
الأولى تحدد جزءا من التمثيلية السياسية القادمة من الأقاليم الجنوبية، والثانية ترتبط بمستقبل العملية السياسية الدولية حول النزاع المفتعل.
ولا يعني ذلك أن نتائج الانتخابات ستحدد قرار مجلس الأمن فهما مساران مختلفان من الناحية القانونية والسياسية، لكن تزامنهما يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من يمثل سكان الصحراء، وبأي شرعية؟
ومن هنا قد تكون انتخابات 23 شتنبر أكثر من سباق على المقاعد. إنها أيضا اختبار للتحولات التي يشهدها المجتمع الصحراوي نفسه: بين القبيلة والمؤسسة، وبين نفوذ الأعيان وصعود جيل جديد وبين شرعية اجتماعية موروثة وشرعية سياسية ينبغي تجديدها عبر صناديق الاقتراع.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو نيويورك استعدادا لمحطة أكتوبر، ستكون الصناديق قبل ذلك قد قالت كلمتها في العيون والداخلة والسمارة وبوجدور وطرفاية وأوسرد، وحددت أسماء جزء من النخب التي ستدخل المرحلة السياسية المقبلة ممثلة لهذه الأقاليم داخل المؤسسة التشريعية.




