الوساطة الأمريكية بين الرباط والجزائر: رهان إسباني على تهدئة التوتر وتأمين الطاقة..

مدير الموقع17 ديسمبر 2025
الوساطة الأمريكية بين الرباط والجزائر: رهان إسباني على تهدئة التوتر وتأمين الطاقة..

العيون الآن 

الحافظ ملعين ـ العيون 

 

تتابع إسبانيا، بكثير من الحذر والاهتمام، التحركات الدبلوماسية الأمريكية الرامية إلى خفض منسوب التوتر بين المغرب والجزائر، في سياق إقليمي بالغ التعقيد تتداخل فيه اعتبارات السياسة بالطاقة والجغرافيا الاستراتيجية. فمدريد، التي وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة في قلب ارتدادات النزاع المغربي-الجزائري، تدرك أن أي انفراج محتمل في هذا الملف لن يكون حدثا ثنائيا معزولا، بل تحولا ذا تداعيات مغاربية وأوروبية واسعة.

من منظور تحليلي، لا يمكن فصل الرهان الإسباني على الوساطة الأمريكية عن الهواجس الطاقية المتزايدة التي تواجهها البلاد. فقد أدت القطيعة الجزائرية-المغربية، وما رافقها من إيقاف العمل بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، إلى إرباك حسابات الأمن الطاقي الإسباني، ورفعت كلفة التزود بالغاز في ظل اعتماد متزايد على الغاز الطبيعي المسال في سوق دولية مضطربة. ويجمع محللون على أن مدريد فقدت، مع تعطيل هذا الأنبوب، جزءا من دورها الاستراتيجي كبوابة رئيسية لعبور الغاز نحو أوروبا.

في هذا الإطار، يقرأ الارتياح النسبي الذي أبدته الأوساط السياسية الإسبانية عقب آخر قرارات مجلس الأمن، باعتباره مؤشرا على تحول تدريجي في موازين التعاطي الدولي مع نزاع الصحراء المغربية، فالتأكيد المتكرر على الإطار الأممي، وتزايد الإشارات الإيجابية تجاه مقترح الحكم الذاتي، يمنح إسبانيا هامشا أوسع للتحرك، ويخفف من وطأة هذا الملف على علاقاتها الثنائية مع الجزائر، دون أن يعني ذلك تراجعا عن موقفها الداعم للمبادرة المغربية.

ويرى متابعون للشأن الإقليمي أن الدعم الغربي، بقيادة واشنطن، أضفى زخما جديدا على هذا المسار، خاصة في ظل غياب اعتراضات مؤثرة من قوى دولية وازنة. هذا المعطى، وفق القراءة التحليلية، يعزز قناعة مدريد بأن الوساطة الأمريكية ليست مجرد مبادرة ظرفية، بل جزء من مقاربة أشمل لإدارة بؤر التوتر العالمية عبر أدوات الضغط السياسي والحوافز الاقتصادية.

في المقابل، يذهب رأي تحليلي آخر إلى أن الجزائر تجد نفسها أمام ضغوط متعددة المستويات؛ اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية، قد تجعلها أكثر قابلية للتعاطي مع مساعي التهدئة. فالاعتماد الكبير على العائدات الطاقية، إلى جانب الحاجة الملحة لتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمار الأجنبي، يضع صناع القرار في الجزائر أمام معادلة صعبة، خاصة في ظل محيط إقليمي يشهد تحولات متسارعة تعزز من موقع المغرب في غرب إفريقيا.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري كعامل إضافي يعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة. فالمشروع، الذي ينظر إليه باعتباره خيارا استراتيجيا بعيد المدى، يمنح الرباط وشركاءها الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا، بديلا تدريجيا يقلل من الارتهان للغاز الجزائري، ويعزز استقلالية القرار الطاقي.

تحليل آخر يربط بين الرهان الإسباني على الوساطة الأمريكية وبين سعي مدريد إلى تقليص كلفة التحول الدبلوماسي الذي أقدمت عليه سنة 2022 بدعمها الواضح لمقترح الحكم الذاتي. هذا التحول، وإن عزز الشراكة مع الرباط، إلا أنه فجر أزمة حادة مع الجزائر، انعكست في إجراءات سياسية وتجارية وطاقية غير مسبوقة. ومن هنا، تبدو إسبانيا معنية أكثر من أي وقت مضى بإيجاد مخرج دبلوماسي يحفظ مصالحها دون المساس بخياراتها الاستراتيجية.

خلاصة القول، إن التفاؤل الإسباني بنجاح الوساطة الأمريكية لا ينبع من حسن نية مجردة، بل من حسابات دقيقة توازن بين السياسة والطاقة والاستقرار الإقليمي. فمدريد تراهن على أن يؤدي أي تقارب مغربي-جزائري، ولو محدود، إلى إعادة فتح قنوات التعاون المغاربي، وإحياء جزء من الدينامية الاقتصادية المعطلة، بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز أمنها الطاقي، دون التخلي عن دعمها للمقاربة التي تعتبرها أكثر واقعية لتسوية نزاع الصحراء المفتعل، وفي انتظار مآلات هذا الرهان، يبقى الملف مفتوحا على كل الاحتمالات في منطقة اعتادت أن تكون السياسة فيها أكثر سخونة من أنابيب الغاز نفسها.

 

الاخبار العاجلة