العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 263/26 المتعلق بالقانون رقم 16.22 الخاص بتنظيم مهنة العدول، بعد إحالة تقدم بها 93 عضوا من مجلس النواب للطعن في مطابقة عدد من مواده للدستور، في خطوة تعكس استمرار الرقابة الدستورية على النصوص التنظيمية المرتبطة بالمهن القانونية والقضائية.
قضى القرار بعدم مطابقة مواد جوهرية من القانون للدستور، من بينها المادة الثامنة والفقرتان الأولى والثانية من المادة 53 والبند الأول من المادة 67، إلى جانب مقتضيات تنظيمية أخرى اعتبرتها المحكمة مشوبة بإشكالات تمس مبدأ الأمن القانوني، أو تتضمن فراغات تشريعية تؤثر على وضوح القاعدة القانونية وقابليتها للتطبيق. كما شمل القرار التصريح بعدم دستورية بعض المقتضيات المتعلقة بالبنية التنظيمية للهيئات المهنية، بسبب غياب آليات تضمن استمرارية المرفق العام في حالات التعطيل أو الفراغ المؤسساتي.
في المقابل صادقت المحكمة على جزء مهم من المواد المطعون فيها، معتبرة أن عددا من الاختيارات التشريعية يندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم المهن القانونية، شريطة ألا تمس تلك الاختيارات الحقوق الدستورية أو المبادئ المؤسسة للدولة، وعلى رأسها المساواة، وضمانات المحاكمة العادلة، واستقرار المعاملات القانونية.
القرار أبرز بشكل واضح أن الإشكال لا يتعلق فقط بمضمون التوجه التشريعي، بل كذلك بطريقة صياغته ومدى إحكامه من الناحية القانونية. فقد اعتبرت المحكمة أن بعض المفاهيم الواردة في النصوص، مثل العبارات المفتوحة أو غير المحددة بدقة، تفتح المجال أمام تأويلات متباينة، بما قد ينعكس على استقرار المراكز القانونية ويضعف مبدأ الأمن القضائي.
كما سجل القرار ملاحظة بارزة بخصوص غياب تنظيم دقيق لبعض الآليات المرتبطة بتسيير الهيئات المهنية، حيث رأت المحكمة أن هذا الغياب لا يندرج فقط في إطار حرية الاختيار التشريعي، بل يرقى في بعض الحالات إلى إغفال عناصر ضرورية لضمان استمرارية المرفق العام، بما يخلق فراغا قد يؤثر على انتظام الخدمة التوثيقية.
في المقابل أكدت المحكمة أن المشرع يتمتع بهامش واسع في تنظيم المهن القانونية، وأن اختلاف النماذج التنظيمية بين المهن لا يشكل في حد ذاته إخلالا بمبدأ المساواة، طالما استند إلى طبيعة كل مهنة ووظيفتها، وإلى المصلحة العامة المرتبطة بتنظيمها.
يعيد القرار فتح النقاش حول جودة الصياغة التشريعية في عدد من النصوص القانونية، خاصة تلك المرتبطة بالمهن المنظمة، حيث لم تعد الإشكالات محصورة في الخيارات السياسية أو التقنية للتنظيم، بل أصبحت مرتبطة بمدى دقة بناء النص القانوني وقدرته على الصمود أمام معايير الدستور.
كما يبرز القرار أهمية التوازن بين توسيع الإطار التنظيمي للمهن القانونية وبين استكمال بنيتها القانونية والمؤسساتية، بما يضمن وضوح الاختصاصات وتحديد المسؤوليات وتفادي الفراغات التي قد تنتج صعوبات في التطبيق العملي.
وبينما يعيد القرار القانون إلى مسار إعادة التعديل والتدقيق، فإنه يسلط الضوء على أن فعالية التشريع لا تقاس فقط بطموحاته الإصلاحية، بل أيضا بمدى وضوحه وانسجامه الداخلي وقدرته على التطبيق دون تناقض أو تأويلات متضاربة











