العيون الآن… حين يتحول الصمود إلى تتويج وطني

مدير الموقع18 نوفمبر 2025
العيون الآن… حين يتحول الصمود إلى تتويج وطني

العيون الآن 

الحافظ ملعين _ الرباط 

 

العيون الآن… حين يتحول الصمود إلى تتويج وطني

 

في ليلة استثنائية من ليالي الرباط الممطرة بالرحمة، كتب فصل جديد في مسار الإعلام الجهوي بالصحراء المغربية، حين اعتلت “العيون الآن” منصة الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة في دورتها الثالثة والعشرين، متوجة في صنف الصحافة الجهوية بعمل حمل عنوان: “المسيرة الخضراء.. نصف قرن من الوفاء”.

كان المشهد لحظة اعتراف حقيقي، لحظة امتزج فيها التصفيق بوهج الصبر الطويل، وكأن السنوات التي مضت في العمل والتوثيق والميدان جاءت كلها دفعة واحدة لتقول: إن الجهد لا يضيع حين يكون مقترنا بالصدق والمهنية.

وفي قلب فندق سوفيتيل بالعاصمة، وأمام وزير القطاع وأطر الوزارة ووجوه إعلامية مرموقة، بدا التتويج أشبه بشهادة ميلاد جديدة لإعلام جهوي حمل هم الوطن بعمق، واشتغل على قضاياه بحب ومسؤولية، وواجه الإكراهات بصمت لا يقدره إلا من عاش التجربة عن قرب.

أهدي هذا الفوز أولا إلى روح والدتي الشريفة العفيفة، وإلى روح والدة زميلي المبدع حمزة وتاسو، أرواح غابت أجسادها وبقي نورها يرشد الطريق. زرعت فينا حب الوطن قبل الرحيل وخلفت فينا وصية الاستمرار دون تردد.

ثم امتدت الإهداءات إلى الفريق… إلى من حملوا الكاميرا في لحظات الشدة، وإلى المحررين الذين كتبوا في ظروف لم تكن يوما سهلة، إلى براهيم لبرص “ابن الطاح” الذي لا يلين، وإلى ابن المرسى يوسف بوصولة، أحد الرجال الذين يصنعون الفرق بصمت.

ولم يغب عن هذا الاعتراف أصحاب البذل والعطاء، من طارق العصامي، ابنِ مدينة التحدي ورفيقِ الدرب، إلى المبدعين زكرياء دحمين وجمال الإدريسي، وكل من كان جزءا من هذا التتويج الذي بدأ العمل عليه شهرا قبل انطلاق مرحلة إيداع طلبات المترشحين للجائزة. فمسار العمل في العيون الآن هو ثمرة عشر سنوات من التراكم واكتساب الخبرة المهنية، مسار ما زال يكتب بإصرار لا ينتهي.

لم يكن التتويج صدفة، ولا مكافأة معزولة عن سياق طويل من الاشتغال الميداني الشاق. فقد جاء العمل الفائز في لحظة وطنية دقيقة، مستشرفا جزءا من الخطاب الملكي السامي المرتبط بملف الصحراء المغربية، وموثقا لمحطات خضراء تاريخية بين طرفاية والعيون والطاح، حيث أُديت صلاة الشكر من طرف الملك الراحل المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه.

وفي هذا العمل الذي انخرطت مؤسسات وطنية عدة في إنجاح التصوير والمواكبة، من عمالة طرفاية إلى قيادة الطاح وجماعة العيون، في نموذج تعاون ترابي يجسد روح المسؤولية المشتركة في خدمة القضية الوطنية.

صيغ العمل بأيدي تلامس نبض اللحظة والمكان والزمان، وبعيون لا تكتفي بالمراقبة، بل تحلل وتعيد تركيب المشهد، بينما كانت القلوب تواكب نبض الترافع المغربي في المنتظم الدولي، حيث تتشكل القرارات وتتقاطع المواقف، بقيادة ملك همام أطال الله عمره، وشعب يراقب وينتظر ثم يفرح.

فعندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة، تصبح الصحافة أكثر من مهنة؛ تتحول إلى موقع مقاومة، وإلى جزء من آليات التأثير التي تعيد رسم الرواية الوطنية بعمقها الجهوي وروحها المغربية الصحراوية.

وما زاد التجربة رسوخا هو الوعي المتزايد بأهمية الإعلام الجهوي كذراع ميدانية أساسية في الأقاليم الجنوبية، لا يكتفي بنقل الرواية الرسمية، بل يساهم في بناء رأي عام قوي، وفي صياغة سردية مقنعة داخليا وخارجيا.

ومن هنا، لم يكن العمل الفائز مجرد تمرين صحافي، بل حلقة ضمن مسار نضالي إعلامي طويل، يؤمن بأن المعارك الكبرى لا تخاض فقط داخل الصالونات السياسية، بل تخاض أيضا في الميدان، حيث تكتب الصحافة ما قد يغيب عن الخطابات الرسمية.

بدأ عملية التصوير من أكتوبر… أيام من التنسيق والغوص في التفاصيل، انتهت بلحظة تتويج استحقتها عشر سنوات من العمل على ترسيخ اسم “العيون الآن”، ومن جوائز سابقة كتلك التي نلناها في سيدي إفني، غير أن جائزة اليوم كانت مختلفة لأنها جاءت في غياب الأم… التي كانت ستكبر باللحظة أكثر من الجميع.

وفي يوم الفوز، لم يكن ممكنا تجاوز لحظة الامتنان لأسرة “العيون الآن” التي آمنت بقدرتنا واحتضنت مسارنا، وفتحت لنا أبواب الثقة قبل أبواب الكتابة والتوثيق، فكان النجاح نتيجة طبيعية لهذا الإسناد.

تتويج “العيون الآن” في شهر نونبر، شهر الأعياد الوطنية والانتصارات، بدا امتدادا لمعنى هذا الشهر… شهر الفتح، وشهر الإنصاف للجهود الصادقة، وللمهنة التي قاست كثيرا في الأقاليم الجنوبية، لكنها صمدت واستمرت وكسرت سقف التوقعات.

واليوم، ونحن نرفع راية “العيون الآن” من جديد، رغم الإكراهات المادية، نعلن أن سقف الحلم لا حدود له… وأن رسالتنا ستظل هي الدفاع عن القيم الوطنية، وتقديم إعلام جهوي نزيه، وتحويل كل صعوبة إلى فرصة، وكل تحد إلى خطوة نحو المستقبل.

إن هذا التتويج ليس لنا وحدنا، بل هو للعيون وإعلامها الجهوي الذي علمنا معنى الصبر على المواقف والأحكام المسبقة. وهو لأبناء الصحراء المغربية الذين جعلوا من الكلمة موقعا متقدما للدفاع عن الوطن، ولجمهور “العيون الآن” الذي منحنا الثقة قبل الاعتراف. وفي شهر الإنجازات، ما دامت المسيرة الخضراء نبضا حاضرا في القلوب الصادقة، سيظل التزامنا ثابتا: لا حياد زائفا، ولا كتابة بلا موقف… بل إعلام يصدح بصوت الصحراء المغربية، ويظل وفيا لطريق يبدأ بالإيمان… ولا ينتهي إلا بالإنجاز.

الاخبار العاجلة