العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تتجه الأنظار خلال الأسابيع المقبلة إلى نيويورك حيث يستعد مجلس الأمن الدولي لمناقشة ملف الصحراء وتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة “مينورسو”، في محطة تختلف عن سابقاتها بعدما يدخل المجلس أكتوبر 2026 بمرجعية سياسية أفرزها القرار 2797، وتركيبة جديدة ورئاسة يونانية تتزامن مع موقف معلن لأثينا من مقترح الحكم الذاتي المغربي.
تأتي هذه المحطة وسط تحركات دبلوماسية تسبق مناقشات أكتوبر كان آخرها اللقاء الذي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الأربعاء 16 شتنبر، بمقر المنظمة في نيويورك.
ويضع تزامن هذه العناصر ملف الصحراء أمام اختبار جديد: هل سيحافظ مجلس الأمن على اللغة السياسية التي أقرها قبل عام، أم ستعرف الصياغة الجديدة تعديلات مرتبطة بمحاولات تحريك العملية التفاوضية؟
ابتداء من فاتح أكتوبر تنتقل رئاسة مجلس الأمن من فرنسا إلى اليونان وفق نظام التناوب الشهري المعتمد على أساس الترتيب الأبجدي الإنجليزي لأسماء الدول الأعضاء.
وتستمر عضوية أثينا غير الدائمة في المجلس إلى غاية 31 دجنبر 2026، ما يجعل ملف الصحراء واحدا من الملفات التي ستناقش خلال الأشهر الأخيرة من ولايتها.
ولا تمنح الرئاسة اليونان سلطة منفردة على مضمون قرارات المجلس؛ فالقرارات تظل رهينة بالمفاوضات بين الأعضاء وبقواعد التصويت المعروفة، كما أن الدولة التي تتولى الرئاسة تضطلع أساسا بإدارة برنامج العمل وترؤس الاجتماعات والمشاورات.
لكن رمزية التوقيت تظل لافتة بالنظر إلى الموقف السياسي الذي أعلنته أثينا من الملف خلال الفترة الأخيرة، ودعمها للمسار الذي تقوده الأمم المتحدة، إلى جانب موقفها الإيجابي من مقترح الحكم الذاتي باعتباره مساهمة جدية وذات مصداقية في العملية السياسية.
وهكذا سيكون المجلس في أكتوبر برئاسة دولة لا تخفي موقفها من الأساس الذي يمكن أن تنطلق منه المفاوضات، وإن كانت الرئاسة نفسها لا تحدد منفردة نتيجة المداولات.
غير أن العامل الأكثر أهمية لا يتعلق بهوية رئيس مجلس الأمن، وإنما بالمرجعية التي يدخل بها الملف إلى مناقشات 2026.
ففي 31 أكتوبر 2025 اعتمد المجلس القرار 2797 الذي دعم إجراء مفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، معتبرا أن حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل أحد أكثر المخرجات قابلية للتحقق، وداعيا الأطراف إلى الانخراط في العملية دون شروط مسبقة.
وبعد قرابة عام على اعتماد القرار، ستكون مناقشات أكتوبر المقبل أول اختبار سنوي كامل لمدى استمرار هذه المرجعية داخل لغة مجلس الأمن.
فالنقاش لن ينحصر في تمديد ولاية “مينورسو” بل سيشمل أيضا اللغة التي سيستخدمها القرار الجديد في توصيف العملية السياسية، والأساس الذي ستستند إليه المفاوضات والدور المطلوب من الأطراف، ومدى البناء على الصياغة التي جاء بها القرار السابق.
كما يدخل الملف هذه المرة إلى مجلس تغير جزء من تركيبته.
فإلى جانب الدول الخمس دائمة العضوية، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين، يضم المجلس حاليا البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والدنمارك واليونان ولاتفيا وليبيريا وباكستان وبنما والصومال.
تنتهي في دجنبر المقبل عضوية كل من اليونان والدنمارك وباكستان وبنما والصومال، فيما تستمر عضوية البحرين وكولومبيا والكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا إلى نهاية 2027. هذه التركيبة تجعل من الخطأ اختزال استحقاق أكتوبر في موقف دولة واحدة، حتى وإن كانت تتولى رئاسة المجلس.
فالقرار النهائي يحتاج إلى تسعة أصوات على الأقل وعدم استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض، فيما تمر الصياغة قبل التصويت بمفاوضات قد تكون أهم من جلسة اعتماد القرار نفسها.
ولهذا ستتركز الأنظار بصورة خاصة على كيفية تعامل القوى الدائمة مع المرجعية التي أرسيت في 2025، إلى جانب مواقف الأعضاء المنتخبين الجدد.
وفي خلفية هذه الحسابات تتحرك الدبلوماسية قبل وصول الملف رسميا إلى طاولة المجلس. فقد التقى ناصر بوريطة أنطونيو غوتيريش في نيويورك بالتزامن مع أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت يستمر فيه المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، في اتصالاته الرامية إلى تحريك العملية السياسية.
كما شهدت الفترة الأخيرة استمرار التواصل الأمريكي مع الأمم المتحدة والأطراف المعنية بالملف، وهو ما يمنح الأسابيع السابقة لاجتماعات أكتوبر أهمية خاصة لفهم الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه المفاوضات حول مشروع القرار.
فالقرارات المتعلقة بالصحراء لا تولد في جلسة التصويت الأخيرة، وإنما تسبقها مشاورات واتصالات ومفاوضات حول العبارات والمفاهيم التي ستدخل النص النهائي. لهذا قد تكون إحدى أهم ساحات أكتوبر هي صياغة القرار نفسه.
من هنا فإن رئاسة اليونان لمجلس الأمن تمنح أكتوبر بعدا سياسيا وإعلاميا لافتاًبالنظر إلى موقف أثينا من مقترح الحكم الذاتي، لكنها ليست العامل الذي سيحسم اتجاه القرار.
الأهم هو ما سيحدث داخل المجلس بين أعضائه الخمسة عشر، وكيف ستتعامل القوى الكبرى مع المرجعية التي أرساها القرار 2797، وما إذا كانت الاتصالات التي قادتها الأمم المتحدة وواشنطن والأطراف المعنية خلال الأشهر الماضية ستنتقل من إدارة النزاع إلى محاولة إعادة المفاوضات.
وبين لقاءات نيويورك وتقرير الأمين العام ومشاورات مجلس الأمن ثم التصويت المرتقب قبل انتهاء ولاية “مينورسو” في 31 أكتوبر، يدخل ملف الصحراء أسابيع دبلوماسية مكثفة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في أكتوبر لن يكون فقط: هل ستمدد ولاية “مينورسو”؟ بل: ماذا سيقول مجلس الأمن هذه المرة عن الطريق الذي ينبغي أن تسلكه العملية السياسية بعد عام من القرار 2797؟











