السمارة تجمع باحثين وأكاديميين في ندوة دولية لاستكشاف الذاكرة المشتركة والروابط التاريخية بين الصحراء وجزر الكناري

محرر مقالات28 أكتوبر 2026
السمارة تجمع باحثين وأكاديميين في ندوة دولية لاستكشاف الذاكرة المشتركة والروابط التاريخية بين الصحراء وجزر الكناري

العيون الآن 

العيون الان : لبرص ابراهيم

 

 

احتضنت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالسمارة، اليوم الأربعاء، أشغال الندوة الدولية الأولى حول موضوع «الروابط العابرة للحدود والذاكرة المشتركة: تحليل للتلاقح الثقافي بين الصحراء وجزر الكناري»، وذلك بتعاون مع المديرية الإقليمية للثقافة بالسمارة، وبمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين في التاريخ والأنثروبولوجيا والتراث والدراسات الاجتماعية والقانونية، إلى جانب مهتمين بالعلاقات التاريخية والثقافية التي جمعت الصحراء المغربية بجزر الكناري.

وتندرج هذه التظاهرة العلمية في إطار الاهتمام المتزايد بدراسة الروابط التاريخية والإنسانية التي تجاوزت الحدود الجغرافية، وأسهمت، عبر مراحل تاريخية مختلفة، في بناء جسور التواصل والتبادل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي بين ضفتي المحيط الأطلسي، بما يتيح إعادة قراءة الذاكرة المشتركة وتوثيق مظاهر التفاعل الحضاري بين المجتمعات الصحراوية والكنارية.

وشكلت الندوة مناسبة لفتح نقاش أكاديمي حول العلاقات التاريخية بين الصحراء وجزر الكناري والمغرب، من خلال مقاربة علمية متعددة التخصصات تسعى إلى تجاوز القراءة المنعزلة للأحداث، واستحضار شبكات التواصل التي تشكلت عبر المبادلات التجارية والبحرية والهجرات والصلات الاجتماعية، فضلا عن انتقال المعارف والعادات والتقاليد، وما خلفته هذه التفاعلات من آثار في الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للمنطقة.

كما سلطت المداخلات الضوء على أهمية توثيق الروايات الشفوية والممارسات الاجتماعية والرموز الثقافية، باعتبارها مصادر أساسية لفهم التحولات التاريخية واستجلاء مظاهر التداخل الثقافي بين المجتمعات الصحراوية والكنارية، مع التأكيد على ضرورة الاستناد إلى الوثائق والشواهد التاريخية والمعطيات الميدانية في دراسة هذه الروابط وصون الذاكرة المشتركة.

وضم البرنامج العلمي للندوة جلستين علميتين، إلى جانب الجلستين الافتتاحية والاختتامية، توزعت خلالهما المداخلات على محاور شملت التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا والتاريخ الاجتماعي والدراسات القانونية، في مقاربة تروم استكشاف أبعاد التلاقح الثقافي وتعدد تجلياته التاريخية والاجتماعية.

 

وخلال الجلسة العلمية الأولى، التي أدارها الدكتور مسعود صابر، ناقش الباحثون مجموعة من القضايا المرتبطة بجذور التداخل الثقافي والروابط التاريخية بين المغرب وجزر الكناري، من بينها أصول التدخل الأوروبي في الجزر والمغرب، وأشكال التقارب التاريخي بين المجالين، فضلا عن تمثلات السكان الأصليين والمشهد الصخري، وقراءة التاريخ من خلال الشواهد الأثرية والمصادر التاريخية.

 

كما تناولت إحدى المداخلات حضور المغاربة في الصحافة الكنارية، بما يتيح دراسة صورة المغرب والمغاربة في الخطاب الإعلامي التاريخي، واستجلاء التحولات التي عرفتها هذه الصورة في سياقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية المختلفة.

 

أما الجلسة العلمية الثانية، التي أدارتها الدكتورة سناء بنهنية، فقد ركزت على العلاقات الاجتماعية بين المغرب وجزر الكناري، من خلال دراسة العادات الغذائية وأسماء الأماكن، إلى جانب تقديم قراءة جغرافية تاريخية لرحلة الشيخ سيدي الكبير إلى مراكش انطلاقا من وثائق التملك، فضلا عن تناول الثقافة المادية واللامادية للصحراء من خلال الكتابات الإسبانية خلال الفترة الاستعمارية.

 

وشملت هذه الجلسة أيضا مداخلات حول آليات الانتقال من اللقاء الثقافي إلى الإنتاج المشترك، وتعزيز التبادل الثقافي بين الصحراء وجزر الكناري من منظور مقارن، إلى جانب استحضار آثار التلاقح الثقافي الصحراوي الكناري خلال الحقبة الاستعمارية، ومناقشة المقاربات القانونية الكفيلة بحماية التراث الثقافي وتثمين الموروث المشترك.

 

وأكدت محاور الندوة أن دراسة الذاكرة المشتركة لا تقتصر على استعادة الوقائع والأحداث التاريخية، بل تمثل مدخلا لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية التي أسهمت في تشكيل فضاء من التفاعل الثقافي بين الصحراء وجزر الكناري. كما تبرز أهمية التراث المادي واللامادي في توثيق الممارسات التقليدية والمعارف المحلية والأسماء الجغرافية والعادات الاجتماعية، وحفظ الروايات الشفوية التي تشكل جزءا من الذاكرة الجماعية للأجيال المتعاقبة.

 

وفي هذا السياق، برزت أهمية تطوير مشاريع بحثية مشتركة بين الجامعات ومراكز البحث، وتشجيع تبادل الخبرات والوثائق والأرشيفات، وإطلاق مبادرات علمية تسهم في صون التراث وتثمينه، بما يعزز حضور المعرفة التاريخية في فهم العلاقات بين المجتمعات، ويضمن نقل هذا الرصيد الثقافي إلى الأجيال المقبلة.

 

ويعكس احتضان مدينة السمارة لهذه الندوة الدولية الدور المتنامي الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الجامعية بالأقاليم الجنوبية في تنشيط البحث الأكاديمي والانفتاح على التجارب الدولية، وإنتاج معرفة علمية مرتبطة بتاريخ المجال الصحراوي وامتداداته الإقليمية والدولية. كما تشكل هذه المبادرة فرصة لتعزيز إشعاع كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالسمارة، وترسيخ دور الجامعة في دراسة التحولات التاريخية والاجتماعية والثقافية، وتشجيع الحوار العلمي بين الباحثين والمؤسسات الأكاديمية.

 

واختُتمت أشغال الندوة بجلسة ختامية أدارها الدكتور سيدي سيدي محمد الحمداني، تخللتها كلمة اللجنة المنظمة وتوزيع الشهادات على المشاركين، في أجواء علمية أكدت أهمية مواصلة البحث في الروابط العابرة للحدود وتوسيع آفاق التعاون الأكاديمي والثقافي.

 

وتكرس هذه التظاهرة العلمية مكانة الذاكرة المشتركة باعتبارها مجالا مفتوحا للبحث والتوثيق والحوار، وفرصة لتعميق فهم التاريخ الإنساني للمنطقة، وتعزيز جهود حماية التراث الثقافي وتثمينه، بما يجعل من التلاقح الثقافي بين الصحراء وجزر الكناري موضوعا واعدا لمزيد من الدراسات والمبادرات المشتركة بين الباحثين والمؤسسات العلمية.

الاخبار العاجلة