العـيون الآن
الـحافظ ملعين _ العيون
الدبلوماسية البرلمانية المغربية: من بناء النفوذ إلى كسب المواقف
عندما يصلنا عاجل رسمي يفيد بأن دولة ما، أو تنظيما سياسيا أو اقتصاديا، أو تكتلا إقليميا، أو شبكة دبلوماسية في أي بقعة من العالم، قد غيرت مواقفها السابقة المرتبطة بسيادة المغرب على أراضيه أو بمصالحه الخارجية، وانتقلت إلى تبني مواقف واضحة وصريحة داعمة لتوجهات المملكة إقليميا ودوليا، خصوصا في قضاياها العليا وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية للمملكة، فعلينا أن نستوعب أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة موقف عابر، بل جاء ثمرة عمل مضن ودقيق تقوده جهات متعددة تتقاطع أدوارها بين التخطيط والتنسيق واستشراف الاحتمالات واختيار التوقيت المناسب لحصد النتائج، ضمن منظومة متكاملة تتماهى فيها الدبلوماسية البرلمانية مع الدبلوماسية الرسمية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بما يعكس وحدة الرؤية وتكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات الوطنية في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة. وفي هذا السياق أصبحت البرلمانات الوطنية إحدى الركائز الأساسية للدبلوماسية الحديثة، ويبرز هنا ما أحدثه مجلس المستشارين برئاسة محمد ولد الرشيد رفقة فريق عمله، من نقلة نوعية في السياسة الخارجية للمغرب، من خلال ترسيخ مقاربة قائمة على هندسة النفوذ وبناء التراكم الاستراتيجي وتوسيع مجالات الحضور المغربي داخل الفضاءات البرلمانية القارية، انطلاقا من العمق الإفريقي وامتدادا نحو الساحة اللاتينية، حيث تمكن المغرب، بفضل هذا الانسجام المؤسساتي والعمل الهادئ والمتواصل، من اختراق فضاءات القرار داخل الهيئات البرلمانية الدولية، والتحول إلى جسر للحوار والتعاون بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بعيدا عن الضجيج وقريبا من الفعل والتأثير وتحقيق المكاسب الدبلوماسية للمملكة.

وبناء على ما سبق، لم يكن مستغربا أن ينخرط مجلس المستشارين في هذه الدينامية الجديدة، خصوصا في ظل صعود محمد ولد الرشيد إلى رئاسة المجلس، حيث بدأ حضور المؤسسة البرلمانية المغربية يتخذ بعدا أكثر وضوحا داخل الفضاءات الإفريقية واللاتينية. فقد اعتمد مجلس المستشارين مقاربة تقوم على ربط العمل البرلماني بالقضايا الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، مع توسيع مجالات التعاون جنوب جنوب، وربط الترافع السياسي بالتنمية والاستثمار والشراكات الاقتصادية.
وفي قراءة أوسع، يرى مولاي بوبكر حمداني، رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية، أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه من رهانات جديدة داخل القارة الإفريقية، جعلت من الدبلوماسية البرلمانية أداة مركزية في دعم ثوابت السياسة الخارجية المغربية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية. ويؤكد أن الأدوار التي باتت تضطلع بها المؤسسات التشريعية، وعلى رأسها مجلس المستشارين، لم تعد تقتصر على التمثيل البرلماني التقليدي، بل أضحت جزءا من منظومة متكاملة للدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة داخل الفضاءات الإقليمية والدولية.

وقد تجسد هذا التوجه بشكل واضح خلال المنتدى البرلماني للتعاون الاقتصادي بين المملكة المغربية وبرلمان المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا CEMAC، الذي احتضنته مدينة العيون يوم 20 يونيو 2025، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، بتنظيم مشترك بين مجلس المستشارين وبرلمان مجموعة سيماك، بشراكة مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب. وشكل المنتدى منصة جمعت برلمانيين ومسؤولين حكوميين وفاعلين اقتصاديين من دول إفريقيا الوسطى، في إطار رؤية جديدة تجعل من البرلمان فضاء للتعاون الاقتصادي والاستثماري، وليس فقط للحوار السياسي التقليدي.
علاوة على ذلك، حمل تنظيم المنتدى بمدينة العيون دلالات سياسية واستراتيجية عميقة. فالمدينة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قطب تنموي صاعد داخل الأقاليم الجنوبية، أصبحت أيضا منصة إفريقية للنقاش حول الأمن الغذائي والبنيات التحتية والطاقات المتجددة والاستثمار. كما أن المنتدى ناقش قضايا مرتبطة بتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو ما يعكس سعي المغرب إلى ربط الحضور البرلماني بالاندماج الاقتصادي القاري، انسجاما مع الرؤية الملكية تجاه إفريقيا.

وفي دلالة على حجم التحول الذي عرفته الأقاليم الجنوبية للمملكة، فإن احتضان مدينة العيون للمنتدى البرلماني المغربي مع دول CEMAC حمل رسائل سياسية كبيرة. فالمغرب بات يقدم نموذجا تنمويا ومؤسساتيا ملموسا، بالاضافة للدافع عن قضيته الوطنية عبر الخطاب السياسي،. كما أن نجاح مجلس المستشارين في جمع هذا العدد من البرلمانيين والفاعلين الاقتصاديين الأفارقة داخل العيون يعكس انتقال الدبلوماسية البرلمانية المغربية من منطق التمثيل إلى منطق صناعة المبادرات وبناء الشراكات داخل القارة الإفريقية.
وفي هذا السياق، اعتبر الدكتور حمداني أن المنتدى البرلماني للتعاون الاقتصادي بين المغرب ودول “سيماك”، الذي احتضنته مدينة العيون، يجسد التحول العميق الذي تعرفه الدبلوماسية المغربية تجاه إفريقيا، حيث انتقلت من منطق الخطاب السياسي التقليدي إلى دبلوماسية قائمة على الاستثمار والشراكات الاقتصادية والتعاون جنوب جنوب، بما يعزز المصالح المشتركة ويمنح الحضور المغربي داخل القارة بعدا تنمويا واستراتيجيا متقدما.

وأوضح أن اختيار مدينة العيون لاحتضان هذا المنتدى يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية قوية، تؤكد أن الأقاليم الجنوبية للمملكة لا تختزل في كونها مجالا للنزاع كما يروج له خصوم الوحدة الترابية، وإنما تشكل فضاء للتنمية والانفتاح الإفريقي، ومنصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي مع دول القارة. كما اعتبر أن احتضان المدينة لهذا الحدث الإفريقي يعكس ترسيخ الشرعية التنموية والسيادية للمغرب داخل أقاليمه الجنوبية
إضافة إلى ما سبق، أبرز أن مشاركته في الندوة الوطنية المنظمة على هامش المنتدى شكلت مناسبة لتقديم قراءة أكاديمية للمبادرة المغربية للحكم الذاتي من منظور القانون الدولي المعاصر، موضحا أن هذا المقترح ينسجم مع المفهوم الحديث للسيادة، الذي يقوم على التوازن بين الوحدة الوطنية والخصوصيات المحلية، دون المساس بالاختصاصات السيادية للدولة. واستحضر في هذا الإطار عددا من النماذج الدولية المقارنة التي اعتمدت أنظمة حكم ذاتي موسعة في إطار وحدة الدولة.

وفي السياق ذاته، قالت السيدة هناء بن خير، مستشارة برلمانية وعضو بالبرلمان الإفريقي ونائبة رئيس تجمع الشباب البرلماني الإفريقي، إن “تنظيم مثل هذه المحطات البرلمانية الإفريقية الكبرى بكل من العيون والرباط يعكس بوضوح التحول النوعي الذي تعرفه الدبلوماسية البرلمانية المغربية، خصوصا من خلال الدينامية التي يقودها رئيس مجلس المستشارين اليوم، مضيفة أن المغرب لك يعد يكتفي بالمشاركة فقط داخل الفضاءات الإفريقية، بل أصبح يصنع المبادرات ويحتضن النقاشات الكبرى المرتبطة بمستقبل القارة. هذا التراكم في المبادرات يؤكد أن المملكة دخلت مرحلة جديدة تقوم على الحضور المؤسساتي القوي، وبناء شراكات إفريقية قائمة على الثقة والتعاون جنوب جنوب، انسجاما مع الرؤية الملكية الاستراتيجية تجاه العمق الافريقي.”

وفي سياق متصل، جاءت الدورة العاشرة للجمعية العامة لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية APNODE، التي احتضنتها مدينة العيون، لتمنح هذا المسار بعدا أكثر عمقا. فقد انعقدت هذه الدورة في ظرف سياسي خاص تميز بتعاظم المكاسب الدبلوماسية المغربية داخل ملف الصحراء. كما أن احتضان العيون لهذا الموعد الإفريقي أكد تحول الأقاليم الجنوبية إلى فضاء قاري للنقاش حول الحكامة وتقييم السياسات العمومية وربط التنمية بالأثر الاقتصادي والاجتماعي.

واللافت للانتباه أن أشغال APNODE، حملت أبعادا سياسية وتنموية واضحة. فقد أكد محمد ولد الرشيد، خلال مداخلاته، أن التقييم انتقل من كونه آلية تقنية، الى أداة استراتيجية لتوجيه القرار العمومي وتحسين النجاعة التنموية. كما شكل انتخاب عبد الإله حفضي رئيسا جديدا للشبكة مؤشرا إضافيا على تنامي الثقة الإفريقية في الحضور المؤسساتي المغربي داخل الفضاء البرلماني القاري.

وفي هذا الإطار، تضيف هناء بن خير أن اختيار مدينة العيون لاحتضان هذه التظاهرات الإفريقية “يحمل دلالات سياسية ودبلوماسية قوية، خاصة بعد التحولات الدولية المتسارعة التي عرفها ملف الصحراء المغربية”، مؤكدة أن هذه الدينامية “أعطت بعدا إفريقيا ودوليا لهذه المبادرات، بحكم حرص مجلس المستشارين على جعل العيون فضاء للحوار الإفريقي والتعاون المؤسساتي”. وترى أن المدينة بالإضافة إلى رمزيتها الترابية أصبحت أيضا منصة إفريقية للتنمية والانفتاح والتكامل القاري، وهو ما يبعث برسائل قوية حول الاستقرار والدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية”.

كما اعتبرت أن “هذه اللقاءات البرلمانية الإفريقية كان لها أثر مهم في تعزيز التفاعل الإيجابي مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، لأن عددا من البرلمانيين والوفود الإفريقية زاروا الأقاليم الجنوبية واطلعوا بشكل مباشر على حجم الأوراش التنموية التي تشهدها المنطقة”، مشيرة إلى أن مجلس المستشارين لعب دورا محوريا “في تقريب الوفود الإفريقية من الواقع الحقيقي للأقاليم الجنوبية بعيدا عن الأطروحات المغلوطة”.

ومن جهة أخرى، جاء مؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، الذي احتضنه مقر مجلس المستشارين بالرباط يومي 8 و9 أبريل 2026، تحت شعار “مساهمة المجالس العليا للبرلمانات في ترسيخ الديمقراطية والحفاظ على السلام في إفريقيا”، ليكرس هذا الحضور المغربي داخل القارة. وقد عرف المؤتمر مشاركة رؤساء وممثلي المجالس العليا بالبرلمانات الإفريقية، قبل أن يسفر عن انتخاب محمد ولد الرشيد رئيسا لجمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا لمدة سنتين.
وقد حمل هذا الانتخاب دلالة سياسية بالغة الأهمية، لأنه يعكس انتقال المغرب من موقع العضو المشارك داخل الهيئات البرلمانية الإفريقية إلى موقع المساهم في توجيه جزء من أجندتها السياسية والمؤسساتية. كما أن البيان الختامي للمؤتمر تضمن تعديلات مرتبطة بتوسيع العضوية وتعزيز التنسيق بين الغرف العليا الإفريقية، وهو ما منح المغرب موقعا متقدما داخل واحدة من أبرز الشبكات البرلمانية بالقارة.

وفي قراءة لهذا التحول، تؤكد المستشارة بن خير أن “الدبلوماسية البرلمانية المغربية أصبحت اليوم أكثر حضورا وتأثيرا بفضل العمل المؤسساتي المتواصل الذي يقوده البرلمان المغربي، وخاصة مجلس المستشارين”، معتبرة أن المجلس “لم يعد يقتصر على أداء دوره التشريعي الداخلي، بل تحول إلى فاعل دبلوماسي حقيقي يساهم في بناء الجسور مع البرلمانات الإفريقية وتنسيق المواقف حول القضايا المشتركة”.
وأضافت أن “هناك انسجاما واضحا بين تحركات البرلمان المغربي داخل إفريقيا والرؤية الملكية القائمة على التعاون جنوب جنوب والتكامل القاري”، مشيرة إلى أن المبادرات والمنتديات التي يحتضنها مجلس المستشارين “تعكس وعيا مؤسساتيا بأن الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية، يمر أيضا عبر العمل البرلماني والدبلوماسية المؤسساتية”.

إن انتخاب محمد ولد الرشيد رئيسا لجمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، يعكس التحول العميق الذي عرفه الحضور البرلماني المغربي داخل القارة. فالمغرب بات اليوم مشاركا في صياغة جزء من النقاشات المرتبطة بالديمقراطية والتنمية والاستقرار داخل إفريقيا، وهو ما يمنحه أدوات إضافية للدفاع عن مصالحه الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
وفي امتداد هذا الطرح، ترى هناء بن خير أن المغرب “انتقل داخل المؤسسات البرلمانية الإفريقية من مرحلة الحضور إلى مرحلة التأثير وصناعة المبادرات”، بفضل الدينامية التي يقودها مجلس المستشارين داخل الفضاءات البرلمانية القارية، مؤكدة أن “الحضور الفاعل للشباب البرلماني المغربي يعكس رغبة المملكة في بناء جيل إفريقي جديد يؤمن بالتكامل القاري وبأهمية التعاون جنوب جنوب”.

غير أن التحرك المغربي لم يتوقف عند العمق الإفريقي. ففي المقابل، انتقل مجلس المستشارين إلى فضاء أكثر تعقيدا يتمثل في أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهي المنطقة التي ظلت لعقود إحدى الساحات التقليدية للأطروحة الانفصالية والدبلوماسية الجزائرية. غير أن المغرب اختار التعامل مع هذا الفضاء بمنطق مختلف، يقوم على بناء العلاقات البرلمانية والمؤسساتية وربط الترافع السياسي بالشراكات الاقتصادية والاستثمارية.
وفي هذا الإطار، شكل توقيع الإعلان المشترك بين مجلس المستشارين وبرلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي “بارلاتينو”، يوم 4 يوليوز 2024 بمقر البرلمان اللاتيني في بنما، محطة دبلوماسية مفصلية. فقد عكس الإعلان انتقال العلاقات المغربية اللاتينية من مرحلة التواصل التقليدي إلى مرحلة بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى، قائمة على التنسيق البرلماني والتعاون الاقتصادي والثقافي. كما عزز البرلمان المغربي حضوره داخل برلمان أمريكا الوسطى “البرلاسين”، والبرلمان الأنديني، ومنتدى رؤساء المؤسسات التشريعية بأمريكا الوسطى والكاريبي والمكسيك “فوبريل”.

وتعكس هذه الخطوة رغبة المغرب في بناء فضاء جديد للتعاون المشترك، دعا رئيس مجلس المستشارين، خلال دورة برلمان أمريكا الوسطى والكاريبي يوم 27 نونبر 2024، إلى إحداث منتدى للحوار العربي وأمريكا الوسطى والكاريبي. وفي الفترة ذاتها، أشاد برلمان أمريكا الوسطى والكاريبي بالدور الريادي للمغرب تحت قيادة الملك محمد السادس في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

وفي هذا السياق، أكد المستشار أحمد الخريف، ممثل مجلس المستشارين لدى برلمان أمريكا الوسطى، أن التحولات التي شهدتها أمريكا اللاتينية والكاريبي خلال السنوات الأخيرة، بل جاءت نتيجة مباشرة للرؤية الدبلوماسية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي مكنت المغرب من تحقيق اختراقات نوعية داخل فضاء كان ينظر إليه لعقود باعتباره أحد أبرز معاقل دعم الأطروحة الانفصالية. وأوضح أن المملكة نجحت في ترسيخ حضورها السياسي والاقتصادي داخل القارة، بالتوازي مع تعزيز التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، التي باتت عدة دول في أمريكا اللاتينية والكاريبي تعتبرها حلا جديا وواقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

كما حملت هذه المرحلة مواقف سياسية داعمة للمغرب، من بينها موقف مجلس الشيوخ البرازيلي، الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية، إضافة إلى مواقف داعمة من برلمانيين ومسؤولين في غواتيمالا وكولومبيا ودول أخرى. كما شكل قرار بنما، يوم 21 نونبر 2024، تعليق علاقاتها مع الكيان الانفصالي محطة سياسية لافتة داخل أمريكا اللاتينية.
وتؤكد الوقائع أن ما تحقق داخل أمريكا اللاتينية ثمرة تراكم دبلوماسي ومؤسساتي طويل. فالمغرب دخل هذه المنطقة من خلال الدبلوماسية الرسمية الهادئة وبوابة البرلمانات والشراكات الاقتصادية والتعاون جنوب جنوب. وهو ما سمح له بإحداث تحول تدريجي داخل عدد من المؤسسات السياسية والبرلمانية التي بدأت تنظر إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.

وفي هذا الصدد، ترى النائبة البرلمانية حياة العريش أن “السنوات الأخيرة شهدت تحولا ملحوظا في مواقف عدد من دول وبرلمانات أمريكا اللاتينية تجاه قضية الصحراء المغربية، حيث انتقلت العديد من هذه الأطراف من مواقف متأثرة بخلفيات إيديولوجية ويسارية قديمة وتوازنات الحرب الباردة إلى مقاربة أكثر واقعية وارتباطا بالشرعية الدولية ومصالح التعاون المشترك”. وأكدت أن هذا التحول “يعود إلى الدينامية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس في مجال الدبلوماسية الرسمية والاقتصادية، إضافة إلى الحضور المتزايد للدبلوماسية البرلمانية المغربية التي اشتغلت بمنطق التواصل المباشر وبناء الثقة مع البرلمانات اللاتينية”.

واللافت للانتباه أن المغرب اعتمد أيضا على دبلوماسية المعاينة الميدانية، من خلال استقبال وفود برلمانية لاتينية داخل العيون والداخلة. وقد لعبت هذه الزيارات دورا حاسما في تغيير الصورة الذهنية التي ظلت تروجها الأطروحة الانفصالية لسنوات، بعدما وقف البرلمانيون اللاتينيون بشكل مباشر على حجم المشاريع التنموية والبنيات التحتية والاستقرار المؤسساتي الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وفي هذا الإطار، تؤكد حياة العريش أن هذه الزيارات “نقلت الوفود البرلمانية من مرحلة تلقي المعلومات عبر تقارير أو خطابات منحازة، إلى مرحلة المعاينة المباشرة للواقع التنموي والسياسي والاجتماعي بالأقاليم الجنوبية”، مضيفة أن الوفود الزائرة “وقفت عن قرب على حجم المشاريع التنموية الكبرى والبنيات التحتية الحديثة والمشاركة الفعلية للساكنة المحلية في تدبير شؤونها عبر المؤسسات المنتخبة، وهو ما ساهم في تفكيك العديد من الصور النمطية والمغالطات التي ظلت تروجها الأطروحات الانفصالية لسنوات”.

وفي قراءة لهذا التحول، تعتبر حياة العريش أن “الدبلوماسية البرلمانية المغربية أصبحت اليوم تتجاوز الأدوار التقليدية المرتبطة بالدفاع عن القضايا الوطنية، لتتحول إلى رافعة حقيقية لبناء شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد مع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي”، مضيفة أن المنتدى البرلماني الاقتصادي المغرب ـ أمريكا اللاتينية والكاريبي “شكل نقلة نوعية لأنه ربط العمل البرلماني بقضايا الاستثمار والتنمية والتعاون جنوب ـ جنوب”.

كما شددت على أن “الحضور البرلماني المغربي أصبح يشتغل بمنطق المبادرة وصناعة الشراكات، وليس فقط بمنطق رد الفعل أو تدبير الأزمات”، معتبرة أن نجاح المغرب في هذا المسار، نتائج رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على أن تعزيز الحضور السياسي يمر أيضا عبر بناء المصالح الاقتصادية والروابط المؤسساتية المستدامة”.
وأشار الخريف إلى أن عددا من دول المنطقة قامت خلال السنوات الماضية بسحب أو تجميد اعترافها بما يسمى “الجمهورية الوهمية”، مقابل توجه متزايد نحو دعم الوحدة الترابية للمملكة وتعزيز العلاقات الثنائية مع الرباط على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. كما اعتبر أن فتح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة يشكل اعترافا عمليا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ويعكس المكانة الجديدة التي أصبحت تحتلها الصحراء المغربية باعتبارها منصة للتعاون الإفريقي.

وأضاف المستشار أن الدبلوماسية البرلمانية المغربية “لعبت دورا محوريا في هذا التحول”، مبرزا أن البرلمان المغربي “أصبح اليوم حاضرا داخل مختلف المؤسسات البرلمانية بأمريكا اللاتينية والكاريبي بصفة عضو ملاحظ، سواء داخل برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي، أو برلمان أمريكا الوسطى، أو برلمان دول الأنديز، إضافة إلى مشاركته في المنتديات البرلمانية القارية”.

وفي المقابل، ترى العريش أن الحفاظ على هذا الزخم “يقتضي الاستمرار في نفس المقاربة القائمة على النفس الطويل والعمل المؤسساتي الهادئ وبناء الثقة مع الشركاء الدوليين”، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب “تعزيز حضور الكفاءات البرلمانية المغربية داخل الفضاءات الإقليمية والدولية، وتوسيع قنوات التواصل مع الجامعات ومراكز القرار ومؤسسات الفكر بأمريكا اللاتينية والكاريبي”. كما اعتبرت أن المغرب “راكم تجربة محترمة في هذا المجال، بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، وبفضل التراكم الذي حققته المؤسسات الوطنية في الدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة بمنطق الحكمة والواقعية والانفتاح”.

استخلصا مما سبق، فإن التجربة المغربية في الدبلوماسية البرلمانية أصـبحت امتداد مواز للعمل الدبلوماسي الرسمي، كما أضحت خيارا استراتيجيا قائما على التراكم السياسي والنفس المؤسساتي الطويل، والقدرة على تحويل العلاقات البرلمانية إلى أدوات فعل وتأثير داخل مختلف الفضاءات الإقليمية والقارية. فمن إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، نجح مجلس المستشارين، بقيادة محمد ولد الرشيد، في بناء شبكة متينة من الشراكات والعلاقات المؤسساتية، جعلت من المؤسسة البرلمانية المغربية فاعلا حاضرا في النقاشات المرتبطة بالتنمية والاستقرار والتعاون جنوب ـ جنوب، ومدافعا عن المصالح العليا للمملكة برؤية متزنة وفعالة.












