الحكومة المقبلة … أمام امتحان الاستمرارية والإنجاز

محرر مقالات3 أغسطس 2026
الحكومة المقبلة … أمام امتحان الاستمرارية والإنجاز

العيون الآن 

كوثر الجاحظ باحثة في العلوم السياسية

 

لم يكن خطاب العرش هذه السنة مجرد مناسبة لتجديد التأكيد على الثوابت الوطنية، بل حمل في طياته رسائل سياسية تستحق التوقف عندها، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وما ستفرزه من حكومة جديدة ستكون أمام مرحلة مختلفة من حيث حجم الانتظارات والتحديات.

ومن بين أبرز ما استوقفني في الخطاب، حديث الملك عن الحكومة المنبثقة عن الانتخابات المقبلة، ودعوتها إلى تحسين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى.

 

هذه العبارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أكثر من دلالة. فالرسالة هنا لا تتجه فقط إلى الحكومة المقبلة، وإنما أيضاً إلى الأحزاب السياسية التي تستعد لخوض الانتخابات، وإلى الناخب الذي سيختار من سيتولى مسؤولية تدبير المرحلة القادمة.

 

فالحكومة المقبلة لن تكون أمام صفحة بيضاء، ولن تبدأ الإصلاح من نقطة الصفر. هناك أوراش كبرى انطلقت، وإصلاحات تم تنزيلها، ومشاريع قطعت أشواطاً مهمة. وبالتالي، فإن المطلوب لن يكون مجرد إطلاق برامج جديدة، وإنما القدرة على الحفاظ على ما تحقق، وتقييمه، وتصحيح اختلالاته، ثم الانتقال به إلى مستوى أفضل.

 

وهنا تبرز أهمية عبارة “تحصين المكتسبات”. فالمكتسب الحقيقي لا يقاس فقط بوجود مشروع أو قانون أو برنامج، وإنما بمدى تأثيره على حياة المواطن. فالمواطن يريد أن يرى أثر الإصلاح في واقعه اليومي، في الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية، وفي مختلف الخدمات التي تقدمها الدولة.

 

كما أن الدعوة إلى مواصلة الإصلاحات الكبرى تعني أن الانتخابات وتغيير الحكومة لا ينبغي أن يؤديا إلى تعطيل الأوراش الاستراتيجية أو إعادة ترتيب الأولويات بشكل يلغي ما سبق. فهناك اختيارات كبرى أصبحت جزءاً من مسار الدولة، وتحتاج إلى الاستمرارية والاستقرار والقدرة على التنفيذ.

 

لكن الاستمرارية لا تعني الجمود.

 

وهذه، في اعتقادي، هي النقطة الأهم. فالحكومة المقبلة مطالبة بأن تجمع بين استمرارية الإصلاح وتجديد أساليب العمل، وبين الحفاظ على المكتسبات والقدرة على تجاوز مكامن الضعف. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة لا تكتفي بإدارة الموجود، وإنما تمتلك القدرة على تطويره وتحويل الإصلاحات إلى نتائج ملموسة.

 

ومن جهة أخرى، فإن هذا التوجه يضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولية حقيقية. فالانتخابات لا ينبغي أن تختزل في الحملات والشعارات والوعود، وإنما يجب أن تكون مناسبة لتقديم تصورات وبرامج قادرة على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع المغربي اليوم.

 

فالناخب لا يحتاج فقط إلى برنامج انتخابي جذاب، بل يحتاج إلى معرفة كيف ستتحول الوعود إلى سياسات عمومية، وكيف سيتم تمويلها وتنفيذها، وما النتائج التي يمكن انتظارها منها.

 

ومن هنا، فإن الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات المقبلة ستكون أمام امتحان مزدوج: امتحان الثقة التي يمنحها الناخب، وامتحان القدرة على مواصلة الإصلاح وتحقيق النتائج.

 

والأهم من ذلك أن خطاب العرش يذكرنا بأن الإصلاح ليس محطة مرتبطة بولاية حكومية معينة، وإنما هو مسار مستمر. الحكومات تتغير، والأغلبية قد تتغير، لكن الأوراش الكبرى للدولة تحتاج إلى الاستمرارية، مع ضرورة تطوير طرق تنفيذها والاستجابة للتحولات الجديدة.

 

لذلك، فإن الرسالة التي يمكن قراءتها من هذه النقطة في الخطاب الملكي هي أن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى حكومة جديدة، وإنما إلى حكومة قادرة على البناء على ما تحقق.

 

فالرهان الحقيقي بعد الانتخابات لن يكون في معرفة من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد فقط، ولا في شكل التحالفات التي ستتشكل، وإنما في معرفة ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستتمكن من تحويل نتائج الانتخابات إلى قدرة حقيقية على الإنجاز.

 

وفي النهاية، يبدو أن التحدي واضح: لا قطيعة مع الإصلاحات الكبرى، ولا اكتفاء بما تحقق، وإنما استمرارٌ مصحوبٌ بالتحسين والتصحيح والإنجاز.

 

وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ستواجهه الحكومة المقبلة: أن تجعل من المكتسبات نقطة انطلاق، لا نقطة وصول، وأن تجعل من الإصلاح وسيلة لتحسين حياة المواطن، لا مجرد عنوان في البرامج والخطابات.

الاخبار العاجلة