العيون الآن.
كوثر الجاحظ: باحثة في العلوم السياسية وكاتبة رأي
لم يعد بإمكان السياسة أن تكتفي بإنتاج الخطابات، كما لم يعد المواطن مستعداً للاكتفاء بوعود انتخابية تنتهي بانتهاء صناديق الاقتراع.
اليوم، هناك سؤال أكبر يفرض نفسه: من يستطيع أن يصنع التنمية داخل المجال الترابي، ومن يستطيع أن يحول حاجيات المواطنين إلى سياسات عمومية ونتائج ملموسة؟
من هنا تكتسب الإشارة الملكية إلى التنمية الترابية المندمجة أهميتها، لأنها لا تفتح فقط ورشاً جديداً في مسار التنمية، وإنما تضع النخب السياسية والترابية أمام امتحان حقيقي: امتحان القدرة على الانتقال من تدبير المجال إلى صناعة مستقبله.
فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية أوراشاً كبرى، واستثمارات مهمة، ومشاريع غيرت ملامح عدد من المدن والجهات. لكن التنمية، مهما كانت سرعتها، تظل ناقصة إذا بقيت بعض المجالات تعاني من ضعف الخدمات، أو محدودية فرص الشغل، أو صعوبة الولوج إلى الاستثمار، أو استمرار الفوارق المجالية.
ولهذا، فإن التنمية الترابية المندمجة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد تجميع لمشاريع مختلفة داخل المجال نفسه.
إنها، في جوهرها، فلسفة جديدة في تدبير التنمية؛ فلسفة تنطلق من المجال، وتقرأ خصوصياته، وتحدد حاجياته، ثم تبني على أساسها برامج متكاملة بدل حلول متفرقة.
وهنا يأتي دور النخب السياسية.
فالمسؤول المنتخب لن يكون أمام مواطن يسأله فقط عن الطريق أو الإنارة أو المرفق العمومي، وإنما أمام مواطن يريد أن يعرف: ماذا فعلتم من أجل التشغيل؟ ماذا فعلتم لجذب الاستثمار؟ ماذا فعلتم لتحسين الخدمات؟ وماذا فعلتم حتى تصبح منطقتنا أكثر قدرة على خلق الفرص؟
وهذا يعني أن زمن السياسة القائمة على الحضور الانتخابي فقط يجب أن ينتهي.
فالمنتخب الذي لا يمتلك رؤية لمستقبل مجاله، ولا يعرف كيف يحول مؤهلاته إلى فرص، ولا يستطيع الدفاع عن حاجياته أمام مختلف المتدخلين، سيجد نفسه عاجزاً أمام جيل جديد من انتظارات المواطنين.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية الجهوية المتقدمة.
فالجهة ليست مجرد مستوى إداري بين المركز والجماعات، وإنما يفترض أن تكون فضاءً لصناعة التنمية، وتنسيق السياسات، وتوجيه الاستثمار، والاستجابة للحاجيات الحقيقية للمجال.
لكن نجاح هذا الخيار يظل رهيناً بوجود نخب ترابية تمتلك الكفاءة والرؤية والقدرة على العمل المشترك.
لأن التنمية المندمجة لا يمكن أن تُبنى بعقلية انتخابية ضيقة، ولا بمنطق «هذه جماعتي» و«ذلك مجالي»، وإنما تحتاج إلى رؤية تتجاوز الحدود الانتخابية والحسابات الحزبية، وتضع المصلحة الترابية فوق كل اعتبار.
وهنا تحديداً ستكتسب الانتخابات المقبلة معنى مختلفاً.
لن يكون السؤال فقط: من سيفوز؟
بل سيكون السؤال الأهم: من يستحق أن يتحمل مسؤولية تدبير المجال في مرحلة عنوانها التنمية الترابية المندمجة؟
فالمغرب يحتاج اليوم إلى نخب سياسية لا تنتظر المشاريع فقط، وإنما تعرف كيف تصنعها؛ لا تكتفي بتشخيص المشاكل، وإنما تقترح الحلول؛ ولا تتحدث عن المواطن في المناسبات، وإنما تجعل حاجياته نقطة انطلاق للعمل السياسي.
إن الرهان المقبل ليس على كثرة الشعارات، وإنما على جودة النخب.
وليس على عدد الوعود، وإنما على القدرة على تحويلها إلى سياسات ونتائج.
وليس على من يملك أطول خطاب انتخابي، وإنما على من يملك رؤية واضحة لمستقبل مجاله.
لذلك، فإن التنمية الترابية المندمجة ليست فقط ورشاً تنموياً، بل هي أيضاً امتحان سياسي للنخب المحلية والوطنية.
وامتحانٌ سيكشف، أكثر من أي وقت مضى، الفرق بين من يمارس السياسة من أجل الوصول إلى المسؤولية، ومن يمارسها من أجل صناعة التغيير.
وفي النهاية، سيبقى المواطن هو الحكم.
فهو لا يقيس التنمية بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بما يراه في مدينته وقريته وجهته، وبما يلمسه في المدرسة والمستشفى والإدارة والنقل وفرص الشغل والاستثمار.
التنمية الترابية المندمجة إذن ليست مجرد شعار للمرحلة المقبلة، بل معيار جديد للحكم على أداء السياسة نفسها.
ومن لا يملك جواباً عن سؤال: ماذا سنفعل لمجالنا؟
سيجد صعوبة في إقناع المواطن بأنه يملك جواباً عن سؤال أكبر: ماذا سنفعل لمغربنا؟











