العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تتراكم المؤشرات بوتيرة متسارعة لتعيد رسم موقع جبهة البوليساريو داخل معادلة نزاع الصحراء، في لحظة تبدو فيها أن توازنات الأمس لم تعد صالحة لتفسير واقع اليوم. فبين تحولات دبلوماسية متلاحقة وضغوط تشريعية متصاعدة في واشنطن، وإعادة تموضع لافتة في مواقف دول وازنة بأمريكا اللاتينية، تتكشف ملامح مرحلة جديدة عنوانها: تضييق الهامش السياسي أمام مشروع الانفصال الوهمي، واتساع دائرة النقاش حول بدائل التسوية الواقعية.
في الوقت الذي يواصل فيه المغرب ترسيخ موقعه الدبلوماسي عبر مبادرة الحكم الذاتي كمرجعية مركزية للحل، تتكشف في المقابل طبقات أكثر تعقيدا من التحديات التي تواجه الجبهة، لا تقتصر على تراجع الدعم الدولي بل تمتد إلى إعادة طرح طبيعة علاقاتها الإقليمية، وحدود استقلالية قرارها السياسي وموقعها داخل التحولات الأمنية التي تعيد تعريف مفهوم النزاعات في المنطقة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو انتقال جزء من النقاش حول الجبهة من الإطار السياسي التقليدي إلى فضاءات أكثر حساسية، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن ومكافحة الإرهاب والنفوذ الإقليمي، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في زاوية النظر الدولية إلى هذا الملف الذي ظل لعقود محكوما بمنطق الصراع السياسي الكلاسيكي.
في هذا السياق جاءت الشهادة التي أدلى بها ماثيو غديري العميل السابق في جهاز مكافحة التجسس الفرنسي لتفتح واحدة من أكثر صفحات الملف حساسية، بعدما تحدث عن طبيعة العلاقة بين إيران وحزب الله وجبهة البوليساريو، وعن الدور الذي قال إن أجهزة الاستخبارات الجزائرية لعبته في الإشراف السياسي والأمني على الجبهة.
وفي حوار مطول مع الزميلة Le360 قال غديري الذي يؤكد أنه أمضى سنوات في اختراق أجهزة الاستخبارات الإيرانية، إن العلاقة بين طهران والبوليساريو تعود إلى ما قبل قيام الثورة الإيرانية سنة 1979، عندما التقى وفد من الجبهة بآية الله الخميني في فرنسا، قبل أن تتطور العلاقة لاحقاً إلى مستويات عسكرية ولوجستية وأمنية.
وبحسب روايته رأت الجمهورية الإسلامية منذ البداية في البوليساريو أداة يمكن توظيفها لإضعاف المغرب، قبل أن تتطور العلاقة إلى منظومة أكثر تعقيدا، يتولى فيها «فيلق القدس» تحديد الأهداف، بينما يضطلع حزب الله بجوانب التدريب والتجهيز والتمويل، في وقت تحتفظ فيه الجزائر بالسيطرة السياسية والأمنية على الجبهة.
ويقدم غديري صورة أكثر تعقيدا للجبهة، باعتبارها جزءا من شبكة نفوذ إقليمية تتجاوز حدود النزاع الصحراوي، مشيرا إلى أن عناصر مرتبطة بها استفادت، وفق روايته، من تدريبات عسكرية وأيديولوجية، شملت استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ وتقنيات إخفاء الأسلحة وإنشاء مواقع عسكرية سرية.
الأهم في هذه الشهادة ليس طبيعة الاتهامات الواردة فيها، وإنما السؤال الذي تفرضه بشأن استقلالية القرار السياسي للجبهة. فإذا صحت هذه المعطيات فإن البوليساريو لا تظهر كفاعل مستقل يمتلك وحده قرار الحرب والسلام، وإنما كطرف تتقاطع فوقه حسابات الجزائر وطهران وحزب الله.
ويقول غديري إن الجزائر تقبل بالدعم الإيراني للجبهة، لكنها لا تسمح لطهران بالسيطرة الكاملة عليها، مؤكدا أن أي تعاون مع البوليساريو يمر عبر موافقة الأجهزة الجزائرية.
وهنا تظهر مفارقة سياسية يصعب تجاهلها: جبهة تقدم نفسها منذ عقود باعتبارها حركة تحرر مستقلة بينما تقدم هذه الرواية صورة لتنظيم تحيط به دوائر من الوصاية والتأثير الإقليمي.
وبذلك لا يعود السؤال فقط متعلقا بمستقبل النزاع، وإنما بطبيعة الجهة التي تتخذ القرار داخل الجبهة، ومدى قدرتها على التحرك باستقلالية عندما تتعارض حساباتها مع حسابات القوى التي توفر لها الحماية والدعم.
لم يتوقف الضغط عند حدود إعادة طرح طبيعة علاقات البوليساريو الإقليمية، بل انتقل إلى المؤسسة التشريعية الأمريكية. فمشروع القانون الجديد المقدم إلى الكونغرس الأمريكي والرامي إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية ‘استقطب ستة نواب جدد إلى قائمة الموقعين عليه، في خطوة تعكس اتساع النقاش داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية حول طبيعة أنشطة الجبهة وعلاقاتها المحتملة مع إيران والجماعات المدعومة منها.
قدم المشروع النائبان روني جاكسون وجوش غوتهايمر في مبادرة تستند بحسب مقدميها، إلى اعتبارات مرتبطة بالأمن القومي الأمريكي، وتدعو إلى تقييم علاقات الجبهة بإيران والمنظمات المدعومة منها، خصوصاً في ما يتعلق بالتدريب العسكري وتوريد الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تنقل البوليساريو إلى مساحة مختلفة تماما من النقاش. فبدلا من أن تبقى الجبهة محصورة في إطار نزاع سياسي إقليمي، بات اسمها يظهر داخل نقاش أمريكي يرتبط بالإرهاب والنفوذ الإيراني وشبكات التمويل والتسليح.
كما أن تعدد المبادرات التشريعية داخل الكونغرس وتنوع الانتماءات الحزبية للموقعين عليها يمنح المسار دلالة تتجاوز مبادرة فردية، خصوصا أن الملف بات يقدم من زاوية حماية الأمن القومي الأمريكي ومواجهة شبكات النفوذ المسلح.
وبغض النظر عن المآل النهائي لهذه المشاريع فإن انتقال النقاش حول البوليساريو إلى هذا المستوى يمثل ضغطا سياسيا وأمنيا جديدا على الجبهة، ويطرح تحديا حقيقيا أمام قدرتها على الحفاظ على الصورة التي حاولت ترسيخها لعقود باعتبارها حركة سياسية منفصلة عن أجندات القوى الإقليمية.
وفي أمريكا اللاتينية تلقت الجبهة بدورها تحولا دبلوماسيا بالغ الرمزية، بعدما أعلنت كولومبيا اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه، في خطوة تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الرباط وبوغوتا.
وتتجاوز أهمية هذا التطور حدود العلاقات الثنائية بين البلدين، بالنظر إلى المكانة التي احتلتها أمريكا اللاتينية في استراتيجية البوليساريو الدبلوماسية لعقود.
فالقارة شكلت إحدى أهم الساحات التي سعت الجبهة من خلالها إلى بناء شبكة من الاعترافات والدعم السياسي، ولذلك فإن انتقال دولة بحجم كولومبيا إلى موقف داعم للمغرب يضرب إحدى المساحات التي كانت تعتبرها الجبهة جزءا من رصيدها الخارجي.
والأكثر دلالة أن الموقف الكولومبي جاء مقرونا برغبة معلنة في الارتقاء بالعلاقات مع المغرب إلى مستوى شراكة استراتيجية، بما يشمل أبعادا سياسية واقتصادية وتنموية.
وهنا يبرز اختلاف واضح في طريقة إدارة الملف بين الطرفين. فالمغرب لا يكتفي بالدفاع عن موقفه السياسي، بل يعمل على تحويل الأقاليم الجنوبية إلى منصة للتعاون الاقتصادي والانفتاح على إفريقيا وأمريكا اللاتينية، من خلال مشاريع البنية التحتية والاستثمار والطاقة والموانئ والسياحة.
وبذلك يصبح النزاع مرتبطا أيضا بسؤال التنمية والمصالح الاقتصادية والشراكات الدولية، وهي عناصر يصعب على أي مشروع سياسي منافس تجاهلها.
وفي الجهة المقابلة، إن الجزائر أمام بيئة دولية أكثر تعقيدا تدفعها إلى إعادة ترتيب بعض خياراتها الخارجية. فتأتي زيارة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى بيلاروسيا الحليف الوثيق لموسكو، في سياق تحرك أوسع نحو تنويع الشركاء والحفاظ على هامش من الحركة داخل نظام دولي يشهد إعادة تشكيل متسارعة للتحالفات.
لا يعني ذلك أن التحرك الجزائري نحو مينسك مرتبط حصرا بملف الصحراء، غير أن توقيته يسمح بقراءة أوسع في ضوء التحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول تجاه النزاع.
فالجزائر تجد نفسها أمام اتساع دائرة الدول التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مقابل حاجة متزايدة إلى الحفاظ على شبكة تحالفات قادرة على توفير سند سياسي في المحافل الدولية.
لكن المفارقة أن بيلاروسيا نفسها تنتمي إلى الفضاء الاستراتيجي الأقرب إلى روسيا، وهي دولة تحتفظ في الوقت ذاته بعلاقات قوية مع المغرب. وهذا يجعل الرهان على بناء اصطفاف دولي مضاد للموقف المغربي أكثر تعقيدا، في وقت تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية مع الحسابات الجيوسياسية.
وسط كل هذه التحولات يبقى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 إحدى أهم المحطات التي أعادت ترتيب النقاش حول مستقبل النزاع. فالقرار وضع البحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق في صلب المسار الأممي، وهو ما جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة المغربية أكثر حضورا في النقاش الدولي حول التسوية.
وهنا تحديدا تتضح طبيعة التحول الذي تواجهه البوليساريو. فالمشكلة لم تعد فقط في خسارة هذا الاعتراف أو ذاك، ولا في تراجع الدعم السياسي في منطقة معينة، وإنما في تغير البيئة الدولية التي يتحرك داخلها النزاع نفسه.
كلما اتسع النقاش حول الحل السياسي الواقعي تضيق المساحة أمام الخيارات القصوى التي ظلت الجبهة ترفعها لعقود. وبذلك تجد البوليساريو نفسها أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في خطاب الاستقلال رغم تغير موازين الدعم الدولي، أو الانخراط في مسار سياسي يفرض عليها التعامل مع واقع جديد، تكون فيه مبادرة الحكم الذاتي إحدى أبرز مداخل التسوية المطروحة.
تكشف هذه التحولات المتلاحقة أن معادلة النزاع لم تعد كما كانت، وأن البوليساريو تواجه تضييقا متزايدا في هامشها السياسي والدبلوماسي، مقابل ترسيخ المغرب لموقعه من خلال مبادرة الحكم الذاتي وشبكة متنامية من الشراكات الدولية بينما يضع قرار مجلس الأمن رقم 2797 مسار الحل السياسي الواقعي في صلب المرحلة المقبلة. ومع ذلك لا يطرح المغرب هذه اللحظة بمنطق «غالب ومغلوب»، بل بمنطق «لا غالب ولا مغلوب»، وهي الفكرة التي تقوم عليها مقاربته للتسوية: إنهاء نزاع طال أمده، وحفظ ماء وجه الأطراف، وفتح الطريق أمام مستقبل جديد للمنطقة. لذلك فإن السؤال لم يعد فقط متى تتغير موازين القوى، وإنما متى تدرك البوليساريو أن التحولات المحيطة بها تجعل الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التفاوض والتسوية خيارا أكثر واقعية، وأن نهاية النزاع لن تكون بهزيمة طرف وانتصار آخر، بل بحل سياسي واقعي ودائم تحت مظلة الأمم المتحدة، يطوي صفحة الماضي ويفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون والتنمية والاستقرار











