إسبانيا تسقط قناع الحياد وتغلق الباب في وجه البوليساريو

محرر مقالات11 فبراير 2026
إسبانيا تسقط قناع الحياد وتغلق الباب في وجه البوليساريو

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / باريس.

 

في محطة دبلوماسية لافتة، استقبل وزير الخارجية الإسباني في العاصمة مدريد وزراء خارجية كل من المغرب وموريتانيا والجزائر، إلى جانب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، فيما امتنع عن تخصيص أي لقاء لممثل جبهة البوليساريو، خطوة لم تقدم في صيغة إعلان سياسي صريح، لكنها حملت دلالات تتجاوز ترتيبات المواعيد، لتؤشر إلى إعادة تعريف إسبانيا لمن تعتبرهم أطرافا فاعلة في مسار تسوية النزاع.

 

الحدث في توقيته وسياقه، لا يبدو تفصيلا بروتوكولياً عابرا، بل يعكس تحولا في المقاربة الإسبانية للملف، ويكرس اتجاها بدأ يتبلور منذ إعلان مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها الرباط كحل سياسي للنزاع.

 

على امتداد عقود، حافظت إسبانيا على مقاربة حذرة اتسمت بمحاولة التوفيق بين اعتبارات الجوار الجغرافي، والمصالح الاقتصادية، والتوازنات الداخلية والخارجية، غير أن إعلانها الرسمي دعم مبادرة الحكم الذاتي شكل نقطة تحول مفصلية، أنهت عمليا سياسة الوقوف في “المنطقة الرمادية”.

 

اللقاءات التي احتضنتها مدريد أخيرا تقرأ في هذا الإطار؛ إذ عكست توجها يقوم على التعامل مع الدول باعتبارها الفاعل المركزي في العملية السياسية، مقابل تراجع الاعتداد بالكيانات غير المعترف بها دوليا في هندسة المشاورات الدبلوماسية.

 

امتناع وزير الخارجية الإسباني عن استقبال ممثل البوليساريو، في مقابل اجتماعه بوزراء خارجية ثلاث دول معنية بالملف والمبعوث الأممي، يندرج ضمن هذا التحول؛ فالدبلوماسية، في كثير من الأحيان، تعبر بالترتيب والاختيار بقدر ما تعبر بالتصريحات والبيانات.

 

التحرك الإسباني يعكس أيضا قراءة متجددة لطبيعة النزاع وموازين القوى المرتبطة به، فثمة اتجاه متزايد في عدد من العواصم المؤثرة نحو تحميل الجزائر مسؤولية سياسية مباشرة في النزاع، باعتبارها طرفا معنيا به، لا مجرد بلد مضيف.

 

هذا التطور ينسجم مع مسار أممي يدعو إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم، قائم على التوافق، كما يتقاطع مع مقاربة تعتبر أن حصر المشاورات في الفاعلين الدوليين الأساسيين قد يسهم في تقليص هوامش المناورة وإعادة تركيز النقاش على خيارات قابلة للتطبيق.

 

في هذا السياق، يصبح تغييب اللقاء مع ممثل البوليساريو مؤشرا على إعادة ترتيب سلم الأولويات، لا إعلان قطيعة صاخبة، إنها دبلوماسية “صامتة حاسمة”، حيث يكون الامتناع عن الفعل أبلغ من أي بيان رسمي.

 

التحول الإسباني لا ينفصل عن البيئة الدولية الأوسع، فالموقف الأمريكي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، والتجديد المتكرر من قبل مجلس الأمن للدعوة إلى حل سياسي واقعي وعملي، يعكسان اتجاها دوليا نحو تغليب منطق الاستقرار الإقليمي على أطروحات الحد الأقصى.

 

العالم في لحظة تحولات جيوسياسية متسارعة، بات يميل إلى مقاربات توازن بين المبادئ والمصالح، وتعلي من شأن الحلول الممكنة على حساب الشعارات المؤجلة، وفي هذا المناخ، تبدو مدريد وقد اختارت التموضع ضمن مقاربة ترى في المبادرة المغربية أرضية جدية وذات مصداقية للنقاش.

 

على المستوى الإقليمي، من شأن هذا الموقف أن يعزز التقارب المغربي–الإسباني الذي شهد زخما في ملفات التعاون الأمني والاقتصادي والهجرة والطاقة، كما قد يفاقم في المقابل من حدة التوتر مع الجزائر، في ظل حساسية الملف وتأثيره على العلاقات الثنائية.

 

أما داخليا فإن الحكومة الإسبانية تبدو ماضية في تثبيت خيارها الدبلوماسي رغم الجدل السياسي الذي أثاره سابقا، مستندة إلى تقدير مفاده أن وضوح الموقف يوفر أرضية أكثر استقرارا لإدارة العلاقات مع الضفة الجنوبية للمتوسط.

 

هل يعني ذلك أن الحل بات وشيكا ؟ المعطيات الحالية لا تسمح بالجزم بذلك، غير أن المؤكد أن قواعد الاشتباك الدبلوماسي تشهد إعادة تشكيل تدريجية، من كان يقدم كطرف مركزي في بعض العواصم، بات حضوره يخضع لإعادة تقييم في ضوء التحولات الإقليمية والدولية.

 

في نهاية المطاف، النزاعات الممتدة لا تحسم بالخطاب، بل بتقاطع الإرادات السياسية مع موازين القوى الواقعية، وإسبانيا من خلال ما جرى في مدريد، تبدو وقد اختارت أن تتموضع ضمن معادلة الحل كما ترسم اليوم، لا كما صيغت في سرديات الأمس.

الاخبار العاجلة