العيون الآن
تشكل الزيارة المرتقبة لرئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، إلى مدينة العيون محطة سياسية تتجاوز بعدها التنظيمي، بالنظر إلى السياق الذي تأتي فيه، في ظل تصاعد النقاش الداخلي حول مستقبل الحزب بالإقليم، واقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقبلة
فالعيون، باعتبارها عاصمة الأقاليم الجنوبية للمملكة، مقبلة على اوراش كبرى سواء سياسية أو اقتصادية تحتاج من اي شخصية حزبية بهذه الجهة تلم وتجمع ولا تفرق وان تكون يدها كريمة ومعطاءة ولا تكن الانا ونرجيستيها المخفية سببا في تفتيت القواعد، غير أن المؤشرات المتداولة داخل قواعده توحي بأن هذا الرصيد لم يعد بنفس القوة التي كان عليها خلال الاستحقاقات السابقة.
ولعل أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو انتقال النقاش من الدوائر التنظيمية المغلقة إلى الوسط القبلي والشبابي، حيث أصبحت مسألة اختيار المرشح المقبل محل اهتمام واسع، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على مستقبل الحزب بالإقليم.وتفيد معطيات متطابقة بأن اللقاء المرتقب لن تحتضنه مدينة العيون، وإنما سينظم بمنطقة الجرادي التابعة لجماعة فم الواد، وهو اختيار يقرأه متتبعون في سياق ما سبق لتجسييد الأنا والهروب به بعيدا عن رفع الصوت او أي مظاهر احتجاج أو مواقف معارضة.
ويعكس هذا الاختيار، في حد ذاته، حجم الحساسية القبلية وإقصاء المكونات القبلية الاخرى التي أصبحت تطبع المشهد الداخلي للحزب، بعدما تصاعدت أصوات تتحدث عن تراجع التواصل مع المكونات القبلية والمناضلين، وغياب التأطير السياسي والتنظيمي منذ انتخابات سنة 2021.ومن بين أبرز القضايا التي تفرض نفسها اليوم، النقاش الدائر داخل قبيلة إزركيين التي تمتلك ما يقارب 10 الالاف صوت، التي تمثل أحد أهم الخزانات الانتخابية للحزب بالجهة، والتي تعتمد منذ سنوات عرفا قائما على التداول بين الأعراش في الترشح للاستحقاقات التشريعية.
ويعتبر عدد من أبناء القبيلة وشبابها انه اصبح من الضروري احترام هذا العرف الذي لم يعد مجرد مطلب قبلي، بل أصبح ضرورة سياسية للحفاظ على وحدة الصف، وتجنب الانقسام الذي قد يكلف الحزب خسائر انتخابية غير محسوبة.ولهذا الغرض، وفق مصادر مضطلعة باشرت فعاليات شبابية من قبيلة ازركيين داخل سلسلة اجتماعات ومشاورات تروم التوصل إلى توافق حول مرشح واحد، بما يحافظ على تماسك الحزب ويجنب القواعد أي صراع داخلي.
وتذهب مصادر قبلية إلى أن المرحلة الحالية تستوجب تغليب منطق الإجماع، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، وما تفرضه من ضرورة الحفاظ على الاستقرار السياسي والتنظيمي.
وفي المقابل، تتحدث أصوات عديدة عن تراجع شعبية المرشح الحالي لحزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم العيون، ليس فقط وسط الرأي العام، بل حتى داخل المكون القبلي الذي ينتمي إليه والمكونات القبلية الاخرى.وتؤكد هذه القراءات أن جزءا مهما من القواعد الحزبية أصبح يعتبر أن الأداء السياسي والتنظيمي خلال السنوات الأخيرة لم يرق إلى مستوى التطلعات التي رافقت الانتخابات الماضية.
ويرى متابعون أن هذا الوضع ساهم في اتساع دائرة الشعور بالإقصاء، بعدما أصبحت فئات واسعة تعتبر أن الحزب حصر قراره السياسي والتنظيمي داخل دائرة ضيقة، بدل توسيع المشاركة والانفتاح على مختلف الكفاءات من جميع الشرائح والمكونات القبلية الاخرى بالجهة.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الأحزاب المنافسة لإعادة ترتيب أوراقها، يبدو أن التجمع الوطني للأحرار مطالب هو الآخر بإجراء تقييم داخلي هادئ ومسؤول، بعيدا عن منطق المجاملة. بعد أنباء عن رجوع نقطة الضوء الوحيدة للقبيلة بمدينة الطرفاية الى الحزب ورحيل اخر الى حزب الاصالة والمعاصرة مع اخر في السمارة
فالانتخابات المقبلة لن تحسم فقط بالأرقام، وإنما أيضا بمدى قدرة الأحزاب على استعادة ثقة قواعدها، وإقناع المواطنين بجدية مشاريعها واختياراتها من اجل الانتخابات الجماعية والجهوية المقبلة، وتزداد أهمية هذا الرهان في إقليم العيون، لأن المقعدين الاوليين محسومين بشكل كبير والثالث سيتنافس عليه الاحرار والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية.
ويرى كثيرون أن الاكتفاء بالرهان على الامتداد القبلي للحزب لن يكون كافيا إذا لم يواكبه تجديد في الخطاب، وإعادة الاعتبار للإنصات الداخلي.كما أن الحفاظ على التوازنات القبلية يظل عنصرا أساسيا في أي مقاربة انتخابية ناجحة، خاصة في مجتمع يقوم جزء من بنيته الاجتماعية على التوافق والاحترام المتبادل بين مكوناته.
ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوات المطالبة باحترام مبدأ التداول بين الأعراش تعبيرا عن رغبة في صيانة التوافق أكثر من كونها مجرد مطالب ظرفية مرتبطة بالانتخابات.وفي المقابل، فإن أي تجاهل لهذه الرسائل قد يفتح الباب أمام مزيد من التباعد بين القيادة الحزبية وقواعدها المحلية، وهو ما قد تستفيد منه قوى سياسية منافسة.ولا يخفى أن عددا من الاستقالات التي عرفها الحزب خلال الأسابيع الماضية زادت من حدة التساؤلات حول فعالية التدبير التنظيمي بالإقليم، وحول قدرة المسؤولين المحليين على احتواء الخلافات.
وتبقى الرسالة التي يبعث بها عدد من شباب الحزب واضحة، وهي أن قوة التجمع الوطني للأحرار كانت دائما في تنوع مكوناته، وفي قدرته على احتضان مختلف الطاقات، وليس في حصر القرار داخل دائرة محدودة.واليوم، تبدو زيارة عزيز أخنوش فرصة حقيقية للاستماع إلى مختلف الآراء، بعيدا عن التقارير الجاهزة أو القراءات الأحادية التي قد لا تعكس الواقع كما هو.فالرهان لم يعد يقتصر على اختيار مرشح للانتخابات المقبلة، بل يتعلق بإعادة بناء الثقة بين الحزب ومناضليه، وإعادة الاعتبار لمبدأ المشاركة والإنصاف داخل التنظيم.
ومن قلب العيون، عاصمة الأقاليم الجنوبية للمملكة، تبدو الرسالة الموجهة إلى رئيس الحزب واضحة: المحافظة على الموقع الانتخابي للتجمع الوطني للأحرار لن تتحقق بالشعارات، وإنما بقرارات جريئة تعيد الثقة إلى القواعد، وتنصف الشباب والنساء والمكونات القبلية، وتضع مصلحة الحزب فوق كل الاعتبارات الشخصية، حتى يظل رقما أساسيا في الاستحقاقات المقبلة.










