العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
حمل أول حوار مطول لإيغور أليكسييفيتش بيليايف سفير روسيا الاتحادية بالمغرب منذ تعيينه في منصبه، جملة من الرسائل السياسية بشأن مستقبل العلاقات بين الرباط وموسكو، وفي مقدمتها موقف روسيا من قضية الصحراء المغربية وموقع المملكة داخل استراتيجيتها الإفريقية وحدود تأثير علاقاتها مع الجزائر على شراكتها مع المغرب.
وفي الحوار الذي أجرته معه الزميلة “هسبريس” الإلكترونية أعاد الدبلوماسي الروسي التأكيد على تمسك موسكو بالتسوية السياسية لقضية الصحراء في إطار الأمم المتحدة، مع التشديد على الدور المركزي لمجلس الأمن، وذلك في سياق حديثه عن القرار 2797 والمسار السياسي الذي أعقبه.
وقال بيليايف إن موقف روسيا بشأن قضية الصحراء “يظل ثابتا ومستمرا ومعروفا للجميع”، موضحا أن موسكو ترى أن تسوية الملف ينبغي أن تتم بالوسائل السياسية والدبلوماسية وفي إطار العملية التي ترعاها الأمم المتحدة.
كما أكد السفير الروسي دعم بلاده للدور المركزي لمجلس الأمن الدولي، إلى جانب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة “المينورسو” في الجهود الرامية إلى البحث عن تسوية.
تكتسب تصريحات بيليايف أهمية خاصة لكون السؤال الموجه إليه ربط مباشرة بين الموقف الروسي وقرار مجلس الأمن رقم 2797، في وقت دخل فيه الملف مرحلة سياسية جديدة ترتبط بكيفية ترجمة القرار إلى مفاوضات بين الأطراف المعنية.
في هذا الصدد أكد السفير أن روسيا رحبت بالخطوات الرامية إلى استئناف العملية السياسية، وأعرب عن أمل بلاده في استمرار الحوار المباشر بين الأطراف.
لكنه ربط إمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات بتوفر ثلاثة شروط أساسية، تتمثل في الحفاظ على أجواء بناءة، والاحترام المتبادل، والاستعداد للبحث عن حلول وسط.
تكشف هذه التصريحات أن موسكو وإن حافظت على خطابها التقليدي القائم على عدم الانحياز إلى صيغة نهائية محددة للحل، فإنها تدفع في اتجاه استمرار العملية السياسية والتفاوض، وتربط تجاوز الجمود باستعداد الأطراف نفسها للتعامل بمنطق التسوية والتنازل المتبادل.
ولم يقتصر الحوار على موقف موسكو من قضية الصحراء، إذ طرح على السفير بشكل مباشر سؤال التوازن الذي تحاول روسيا الحفاظ عليه بين علاقاتها مع المغرب والجزائر، في ظل التوتر المستمر بين البلدين.
جاء جواب بيليايف واضحا في رفض ربط علاقة موسكو بأحد طرفي المنطقة بعلاقتها مع الطرف الآخر.
وقال الدبلوماسي الروسي إن بلاده تحافظ تقليديا على علاقات صداقة مع جميع دول المنطقة المغاربية، قبل أن يشدد على أن النهج الروسي يقوم على مبدأ مفاده: “نحن لا نطور علاقاتنا مع دولة على حساب علاقاتنا مع دولة أخرى”.
كما أكد أن موسكو لا تسعى إلى أن تصبح طرفا في الخلافات الإقليمية، ولا تدعي لعب دور الوسيط بين الرباط والجزائر ما لم تعرب الأطراف نفسها عن رغبتها في ذلك.
وفي المقابل أبدى استعداد روسيا لدعم الجهود الدولية الرامية إلى خفض التوتر، معتبرا أن مصلحة المنطقة تكمن في بقائها فضاء للاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية والتعاون المتبادل.
وتضع هذه الرسالة العلاقات المغربية الروسية خارج منطق الاصطفاف المغاربي، إذ يقدم السفير شراكة موسكو مع الرباط باعتبارها قائمة بذاتها، وليست امتدادا أو انعكاسا لعلاقات روسيا مع الجزائر.
وبرزت واحدة من أقوى رسائل الحوار عندما تحدث بيليايف عن موقع المغرب في السياسة الروسية تجاه القارة الإفريقية. فالسفير الروسي لم يكتف بوصف المملكة كشريك ثنائي لموسكو، وإنما قال إن المغرب يحتل “مكانة خاصة” داخل الاستراتيجية الروسية في إفريقيا، واصفا المملكة بأنها “واحدة من الدول الرائدة في القارة الإفريقية”.
واستند في ذلك إلى ما اعتبره اقتصادا مستقرا وبنية تحتية حديثة وإمكانات صناعية ومالية مهمة، إضافة إلى نفوذ المغرب داخل الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
كما توقف عند نشاط الرباط في دول إفريقيا جنوب الصحراء، معتبرا المغرب محور ربط بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا والشرق الأوسط.
تعكس هذه الرؤية اهتماما روسيا بالمغرب يتجاوز العلاقات التجارية التقليدية، إذ قال بيليايف إن موسكو ترى في المملكة شريكا واعدا ليس فقط على المستوى الثنائي، وإنما كذلك ضمن تعاون روسيا الأوسع مع القارة الإفريقية.
وحدد السفير مجموعة من القطاعات التي ترى موسكو إمكانية لتطوير التعاون فيها، تشمل الأمن الغذائي والطاقة والزراعة والنقل والتكنولوجيا الرقمية والتعليم وتدريب الكفاءات والصحة والبحث العلمي.
وفي تقييمه للمسار العام للعلاقات بين البلدين، أعاد بيليايف جذور المرحلة الحالية إلى زيارة الملك محمد السادس إلى روسيا في مارس 2016، التي توجت بإعلان الشراكة الاستراتيجية العميقة.
وأكد أن هذه الوثيقة حافظت على أهميتها رغم التغيرات الدولية والاضطرابات الجيوسياسية التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية.
وبحسب السفير حافظ البلدان على حوار سياسي نشط ومتعدد المستويات، بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون، مع وجود تقارب في عدد من المبادئ المتعلقة بالعلاقات الدولية، وعلى رأسها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بالقانون الدولي والدور المركزي للأمم المتحدة.
كما أشاد بيليايف بما وصفه بـ”النهج البراغماتي والمتزن” للقيادة المغربية في تطوير العلاقات مع روسيا.
حملت تصريحات السفير بشأن الحرب في أوكرانيا رسالة سياسية أخرى تجاه الرباط. ففي معرض تقييمه للموقف المغربي شدد بيليايف على احترام موسكو للحق السيادي للدول في تحديد سياساتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، مؤكدا أن روسيا تلاحظ أن المغرب يتبع “مسارا سياسيا خارجيا مستقلا ومتزنا”. وأضاف أن موسكو تقدر عاليا “الموقف المحايد للمملكة” تجاه الأزمة الأوكرانية.
تنسجم هذه القراءة الروسية للموقف المغربي مع الصورة التي قدمها السفير للعلاقات الثنائية عموما، القائمة بحسب تعبيره على البراغماتية واستقلال القرار السياسي وعدم إخضاع التعاون بين البلدين للتقلبات التي يعرفها النظام الدولي.
وعلى المستوى الاقتصادي أكد بيليايف أن التعاون التجاري بين البلدين يسجل دينامية إيجابية، مشيرا إلى دور روسيا كمورد للحبوب إلى السوق المغربية، مقابل حضور المنتجات الزراعية المغربية في السوق الروسية، وخاصة الحمضيات والطماطم والفواكه والخضروات.
لكنه اعتبر أن الإمكانات المتاحة أكبر من النتائج المحققة حاليا محدد الطاقة والصناعة والنقل والاقتصاد الرقمي والاستثمار والتكنولوجيا العالية والصيد البحري والسياحة والتعليم والعلوم والثقافة ضمن القطاعات القابلة لمزيد من التطوير. كما كشف أن عدد الطلبة المغاربة في الجامعات الروسية تجاوز 4200 طالب بنهاية سنة 2025.
وفي ما يتعلق بالصعوبات التي تواجه هؤلاء الطلبة في التحويلات المالية نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا، قال السفير إن السفارة والجامعات والجهات الحكومية الروسية تتواصل مع الشركاء المغاربة لمعالجة المشاكل العملية، مشيرا إلى تطوير وسائل دفع وقنوات مالية بديلة، من بينها نظام “Pay in Russia”.
تقدم تصريحات بيليايف في مجملها صورة واضحة للمعادلة التي تحكم المقاربة الروسية تجاه المغرب والمنطقة المغاربية.
ففي قضية الصحراء تتمسك موسكو بالمسار الأممي ومركزية مجلس الأمن، وترحب باستئناف العملية السياسية، لكنها تربط تقدمها بالحوار والاستعداد للتوصل إلى حلول وسط.
وفي علاقتها بالمغرب ترفض روسيا وضع الرباط والجزائر في معادلة يكون فيها التقارب مع إحداهما على حساب الأخرى، بينما تمنح المملكة في الوقت نفسه مكانة خاصة ضمن استراتيجيتها الإفريقية، بالنظر إلى وزنها الاقتصادي والمؤسساتي وامتدادها داخل القارة.
وبذلك تكشف رسائل السفير الروسي عن علاقة تحاول موسكو إبقاءها بمنأى عن استقطابات المنطقة، فيما تنظر إلى المغرب كشريك مستقل في حساباتها الإفريقية والدولية، ضمن شراكة تقول إنها تمتلك إمكانات أكبر بكثير مما تحقق منها حتى الآن.











