العيون الآن
طارق أخراب / بوجدور
بمناسبة تخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة الوطنية، تبرز بإقليم بوجدور تجربة فلاحية تسعى إلى تنويع الإنتاج الزراعي واستكشاف آفاق جديدة للاستثمار في الأقاليم الجنوبية، من خلال مشروع زراعة الزيتون الذي تقوده تعاونية حليب الساقية الحمراء بضيعة «أوديات الخير»، الواقعة بمنطقة أوديات التيوس التابعة لجماعة كلتة زمور.

وتعكس هذه المبادرة توجها نحو تطوير أنشطة فلاحية بديلة، قائمة على التجريب وتثمين المؤهلات المحلية، في أفق الانتقال من الإنتاج المحدود إلى مشاريع أوسع نطاقا، قادرة على الإسهام في تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز تنوع المنتوجات الفلاحية بالإقليم.

وفي تصريح بالمناسبة، أوضح دحان السباعي، رئيس تعاونية حليب الساقية الحمراء، أن العمل بالضيعة انطلق قبل أربع سنوات، وفق رؤية تروم تنويع الزراعات وتكييفها مع الخصائص الطبيعية والمناخية للمنطقة، بما يسمح بتحسين استغلال الأراضي وتطوير مردوديتها.

وأضاف أن التجربة شملت زراعة الذرة وتوسيع إنتاج الأعلاف، حيث خصصت مساحة تقدر بـ60 هكتارا لزراعة الفصة الخضراء، بهدف المساهمة في تلبية حاجيات تغذية الماشية والتخفيف من الخصاص المسجل في الذرة، مع التوجه نحو تطوير هذا النشاط خلال السنة المقبلة.

الزيتون.. نتائج أولية تشجع على توسيع التجربة
وفي سياق البحث عن محاصيل زراعية جديدة قادرة على التأقلم مع الظروف المحلية، اتجهت التعاونية إلى اختبار زراعة الزيتون داخل الضيعة، من خلال غرس 20 شتلة في تجربة أولية شملت محيط الضيعة وبعض أجزائها، مع الاستفادة من الحواجز المحيطة بها للحد من تأثير الرياح، التي تشكل أحد التحديات الطبيعية بالمنطقة.
وبحسب السباعي، فقد أظهرت هذه التجربة، بعد سنتين من نمو الأشجار، مؤشرات أولية مشجعة على مستوى الإنتاج وجودة الزيت المستخرج، وهو ما عزز توجه التعاونية نحو دراسة إمكانات توسيع هذه الزراعة.
وأشار إلى أن عملية جني الزيتون وعصره خلال شهر غشت أسفرت عن نتائج وصفها بالجيدة جدا، موضحا أن المعطيات الأولية تدفع إلى مواصلة التجربة وتطوير أساليب العناية بالأشجار، مع مراعاة العوامل المؤثرة في الإنتاج، وفي مقدمتها طبيعة التربة وتوفر المياه والظروف المناخية.
وفي ما يتعلق بجودة الزيت، أفاد رئيس التعاونية بأن التحاليل المنجزة أظهرت نسبة حموضة بلغت 0,68، فيما وصلت مردودية استخراج الزيت إلى نحو 18 في المائة، معربا عن تفاؤله بإمكانية تحسين هذه النتائج خلال المواسم المقبلة، بالتزامن مع نمو الأشجار وتطوير ظروف الإنتاج.
200 ألف شتلة.. خطوة نحو توسيع زراعة الزيتون ببوجدور
وشكلت احتفالات عيد الوحدة الوطنية مناسبة للإعلان عن إطلاق مشروع لغرس 200 ألف شتلة زيتون، بحضور وفد رسمي ترأسه والي جهة العيون الساقية الحمراء، إلى جانب عامل إقليم بوجدور وعدد من المسؤولين والمنتخبين وأعضاء الوفد المرافق.
ويمثل هذا المشروع مرحلة جديدة في مسار التجربة التي أطلقتها التعاونية، إذ يستهدف الانتقال من اختبار زراعة الزيتون على نطاق محدود إلى أفق إنتاجي أوسع، بما يفتح المجال أمام تطوير زراعة جديدة بالإقليم واستكشاف إمكاناتها الاقتصادية.
وأكد السباعي أن المشروع يحمل آفاقا واعدة خلال السنتين المقبلتين، مع تطور الأشجار ودخولها مراحل إنتاجية جديدة، معتبرا أن توسيع هذه التجربة من شأنه أن يعزز حضور النشاط الفلاحي ويفتح فرصا إضافية لخلق القيمة المضافة محليا.
وتظل النتائج المرتقبة مرتبطة بمدى ملاءمة الظروف الزراعية، وضمان استدامة الموارد المائية، وتوفير شروط العناية بالأشجار ومواكبة المشروع في مختلف مراحله.
من الغرس إلى التثمين.. التعاونية تتطلع إلى وحدة لعصر الزيتون
ولا يقتصر طموح تعاونية حليب الساقية الحمراء على توسيع المساحات المزروعة، بل يمتد إلى تثمين المنتوج وتطوير قنوات تسويقه، بما يتيح الاستفادة من مختلف مراحل سلسلة الإنتاج.
وفي هذا الإطار، كشف رئيس التعاونية عن توجه يرمي إلى توفير زيت الزيتون لفائدة الساكنة وتسويقه ضمن منتوج خاص بالتعاونية، في خطوة تستهدف تعزيز ارتباط المشروع بالسوق المحلية وتطوير منتوج ذي قيمة مضافة.
كما أعلن عن تطلع التعاونية إلى إحداث وحدة لعصر الزيتون بمنطقة فم الواد، بهدف توفير بنية مخصصة لتحويل المحصول ومواكبة عمليات الجني والعصر، بما من شأنه تسهيل تثمين الإنتاج وتقليص الحاجة إلى نقل المحاصيل نحو وحدات أخرى.
ويعكس هذا التوجه أهمية مواكبة التوسع الزراعي باستثمارات موازية في مجال التحويل والتسويق، باعتبارهما عنصرين أساسيين في تعزيز الجدوى الاقتصادية للمشاريع الفلاحية، وتحويل الإنتاج الأولي إلى نشاط متكامل يتيح فرصا أوسع للاستثمار والتشغيل.
رهان على تنويع الاقتصاد الفلاحي بالأقاليم الجنوبية
وتقدم تجربة ضيعة «أوديات الخير» بإقليم بوجدور مثالا على المبادرات التي تسعى إلى استكشاف إمكانات زراعية جديدة بالأقاليم الجنوبية، من خلال الجمع بين تطوير الأعلاف وتجريب زراعة الزيتون والتفكير في إحداث بنية لتثمين المنتوج.
وبين النتائج الأولية للتجربة والطموح إلى غرس 200 ألف شتلة وإحداث وحدة للعصر، تراهن تعاونية حليب الساقية الحمراء على تطوير مشروع فلاحي يمتد أثره المحتمل إلى ما هو أبعد من الإنتاج، ليشمل تثمين الموارد المحلية وتعزيز الاستثمار وتنويع الأنشطة الاقتصادية بالإقليم.
وتبقى المرحلة المقبلة حاسمة في تقييم قدرة هذه المبادرة على الانتقال من المؤشرات الأولية المشجعة إلى إنتاج مستدام، في ظل التحديات المرتبطة بالمناخ والمياه، ومتطلبات التأطير التقني والتسويق، بما يجعل من نجاح التجربة رهانا على إمكانات الفلاحة المبتكرة في الأقاليم الجنوبية.











