العيون الآن.
حمزة وتاسو – العيون.
أعاد النقاش الدولي حول مستقبل غزة طرح معيار أكثر صرامة لقياس جدية المواقف تجاه القضية الفلسطينية: من يتحدث عن غزة، ومن يساهم فعليا في إعادة بنائها ؟ ففي الوقت الذي أعلنت فيه دول من بينها المغرب وقطر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين وتركيا وكازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان التزامات مالية ضمن جهود إعادة إعمار القطاع، تبرز الحاجة إلى التمييز بين المواقف السياسية وبين المساهمات المالية القابلة للقياس.
وتأتي هذه الالتزامات في سياق دمار غير مسبوق في القطاع؛ إذ قدرت الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، بينها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لإعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية ودعم التعافي الاقتصادي.
ويكتسب الحضور المغربي في قائمة الدول التي أعلنت التزامات مالية لإعادة إعمار غزة دلالة خاصة، لأن النقاش لم يعد متعلقا بمجرد إصدار البيانات أو تبادل المواقف في المنابر الدولية، وإنما بتمويل المستشفيات والمساكن والمدارس وشبكات المياه وغيرها من مقومات الحياة التي تحتاجها غزة على الأرض.
وفي المقابل لا تظهر الجزائر ضمن قائمة الدول التسع التي أعلن عنها ترامب باعتبارها جزءا من التعهد الجماعي الذي تجاوز 7 مليارات دولار، وهذا لا يعني أنها لم تقدم مساعدات للفلسطينيين عبر قنوات أخرى، لكنه يعني أن اسمها لم يرد ضمن هذه الحزمة المالية المحددة لإعادة الإعمار.
وتكشف هذه المقارنة دون حاجة إلى خطابات إضافية، عن الفارق بين نوعين من الحضور في القضية الفلسطينية: حضور سياسي وإعلامي كثيف، وحضور يقاس بالأموال والمشاريع والالتزامات القابلة للتنفيذ، فالجزائر لطالما جعلت القضية الفلسطينية محورا بارزا في خطابها الدبلوماسي، كما سجلت مواقفها داخل الأمم المتحدة بشأن وقف الحرب وحقوق الفلسطينيين.
لكن حين تنتقل القضية من منصة الخطابة إلى ورشة إعادة الإعمار، تتغير طبيعة الاختبار، فغزة لا تحتاج فقط إلى بيانات جديدة عن التضامن، وإنما إلى موارد تعيد تشغيل المستشفيات، وتوفر السكن، وترمم المدارس، وتعيد بناء البنية التحتية، وتقدر الأمم المتحدة أن نحو 85 في المائة من المباني والبنية التحتية في القطاع تعرضت للضرر أو الدمار، فيما تتجاوز احتياجات إعادة الإعمار عشرات مليارات الدولارات.
وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة: إذا كانت فلسطين قضية مركزية في الخطاب السياسي الجزائري، فأين موقع هذا الخطاب عندما تتحول الحاجة الفلسطينية إلى فاتورة إعادة إعمار بمليارات الدولارات ؟
ولا يتعلق الأمر بمسابقة في الشعارات، ولا بإلغاء قيمة المواقف الدبلوماسية، وإنما بفارق جوهري بين إعلان التضامن وبين تحويل التضامن إلى التزام مالي ومشروع ملموس، فحين تحتاج غزة إلى مستشفى ومدرسة ومسكن، يصبح معيار التضامن أكثر وضوحا من أي وقت مضى.
وفي المحصلة تضع مرحلة إعادة إعمار غزة جميع الدول أمام اختبار مختلف: ليس من يرفع صوته أكثر، بل من يستطيع تحويل موقفه إلى مساهمة قابلة للقياس وأثر يمكن أن يراه الفلسطيني على الأرض، فالشعارات تنتهي بانتهاء الخطاب، أما المستشفى الذي يعاد بناؤه، والمدرسة التي تفتح أبوابها، والمسكن الذي يعود إليه أهله، فتبقى شاهدا على الموقف.











