العيون الآن.
يوسف بوصولة
تستعد وزارة الداخلية المغربية لإطلاق مشروع مرسوم جديد يحدث تحولا نوعيا في تمويل الحملات الانتخابية عبر تقنين استعمال الوسائل الرقمية والذكاء الاصطناعي لأول مرة، مع تحديد سقف صارم للإنفاق لا يتجاوز خمسة ملايين درهم لكل حزب سياسي، في خطوة تستهدف إحكام مراقبة المال الانتخابي وتعزيز الشفافية.
يمثل هذا المشروع مراجعة عميقة للمرسوم رقم 2.16.667 الصادر سنة 2016، في سياق تحيين الإطار القانوني المؤطر للدعم العمومي للأحزاب بما يواكب التحولات الجذرية التي عرفها الفعل السياسي خاصة على مستوى أدوات التواصل والتأثير التي انتقلت من الميدان التقليدي إلى الفضاء الرقمي.
أبرز ما يحمله المشروع هو إعادة صياغة المفاهيم المؤطرة للحملات الانتخابية، حيث تم التخلي عن مصطلح “الأنترنيت” لصالح مفهوم أوسع هو “الوسائل الرقمية”، في اعتراف صريح بأن المعركة الانتخابية أصبحت تدار داخل منظومات معقدة تشمل شبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات البث، وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويقدم النص تعريفا موسعا لهذه الوسائل يشمل مختلف التطبيقات والمنصات الرقمية إلى جانب أدوات الاستهداف والخوارزميات، في محاولة استباقية لسد الثغرات القانونية التي كشفتها التجارب الانتخابية السابقة.
ويقترح المشروع حصر طرق صرف الدعم العمومي في قنوات مالية محددة، تشمل التحويلات البنكية والشيكات، بهدف إغلاق الباب أمام أي تدفقات مالية غير قابلة للمراقبة وترسيخ الشفافية داخل العملية الانتخابية.
كما يوسع نطاق النفقات القابلة للتمويل ليشمل إلى جانب الإعلانات التقليدية، مختلف أشكال الإنتاج الرقمي من فيديوهات وبث مباشر ومحتوى تفاعلي، التي أصبحت تشكل العمود الفقري للحملات الحديثة.
التحول الأبرز يتمثل في تحديد سقف للإنفاق الرقمي في خمسة ملايين درهم لكل حزب، وهو إجراء يحمل أبعادا سياسية واضحة، يروم الحد من الفوارق المالية ومنع هيمنة الأحزاب الأكثر قدرة على الاستثمار في الإعلانات الرقمية وتقنيات الاستهداف.
ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بمخاطر “عدم تكافؤ الفرص الرقمية”، حيث يمكن للمال أن يتحول إلى أداة حاسمة في توجيه الرأي العام داخل بيئة إعلامية مفتوحة تتحكم فيها خوارزميات ومنصات عابرة للحدود.
تأتي هذه الإصلاحات على خلفية ما كشفته انتخابات 2021، التي سجل خلالها المجلس الأعلى للحسابات ضخ حوالي 248.9 مليون درهم من المال العمومي في الحملات، مع تغطية الدولة لما يقارب 89% من النفقات المصرح بها.
غير أن هذه الأرقام رغم دقتها المحاسبية لم تعكس الحجم الحقيقي للتأثير الرقمي، الذي ظل جزء كبير منه خارج الرصد بسبب غياب تصنيف مستقل للإنفاق المرتبط بالمنصات الرقمية.
وفي هذا السياق برز حزب التجمع الوطني للأحرار كأحد أبرز الفاعلين الذين استثمروا بقوة في هذا التحول، من خلال مزج الحضور الميداني بإنتاج رقمي مكثف، ما ساهم في تصدره نتائج الانتخابات.
لكن الأخطر كما أظهرت التقارير هو بروز “ظل رقمي” للحملات، عبر صفحات داعمة ومحتوى غير مباشر لا يمر عبر القنوات الرسمية، ولا يخضع لنفس آليات التصريح والمراقبة.
بعكس مشروع هذا المرسوم انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة من ضبط العملية الانتخابية، بعد أن كشفت التحولات الرقمية عن حدود الأدوات التقليدية في مراقبة المال السياسي.
فحين يتم تقنين الذكاء الاصطناعي وتحديد سقف للإنفاق الرقمي وإعادة تعريف أدوات التأثير، فإن الأمر لا يتعلق فقط بإصلاح تقني، بل بإعادة رسم قواعد المنافسة السياسية نفسها.
المغرب عمليا يدخل مرحلة “تنظيم السياسة الرقمية”، حيث لم يعد التنافس يقاس فقط بعدد التجمعات والخطابات، بل بقدرة الفاعلين على التحكم في الخوارزميات وصناعة التأثير.
وبين منطق الشفافية ورهان تكافؤ الفرص يبدو أن مشروع المرسوم الجديد يحاول إعادة التوازن إلى ساحة انتخابية بدأت تنفلت من الضبط التقليدي… قبل أن يفرض الواقع الرقمي قواعده بشكل كامل.











