العيون الآن.
يوسف بوصولة
لم تعد العلاقات المغربية الموريتانية تختزل في عناوين حسن الجوار والتنسيق الظرفي، بل دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة قوامها بناء شراكة أطلسية متكاملة، تستند إلى رؤية سياسية واضحة وتترجم عبر اتفاقيات عملية تمس مجالات حيوية ذات بعد استراتيجي.
هذا التحول وجد أسسه السياسية في الزيارة التي قام بها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الرباط في دجنبر 2024، والتي دشنت مسارا متقدما من التنسيق الثنائي. واليوم بدأت مخرجات تلك الزيارة تتجسد ميدانيا، من خلال دينامية متسارعة من الاتفاقيات والبرامج المشتركة.
في منتصف يناير 2026، أطلق البلدان لبنة جديدة في مجال التعاون الأكاديمي والزراعي، عبر توقيع اتفاقيتين بين وزارة التعليم العالي الموريتانية ومعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، إضافة إلى معهد “روصو”. ولا يقتصر هذا التعاون على التبادل الطلابي، بل يهدف إلى نقل الخبرة المغربية في البحث الزراعي والتكوين العلمي، في سياق إقليمي يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالتغير المناخي والأمن الغذائي.
ويرى متابعون أن هذا التوجه يمنح البحث العلمي دورا محوريا في دعم التنمية الاقتصادية بموريتانيا، ويعزز قدرتها على بناء نماذج إنتاجية أكثر استدامة، مستفيدة من التجربة المغربية التي راكمت نتائج ملموسة في هذا المجال.
بالموازاة مع ذلك يتعزز التعاون القانوني والأمني بين الرباط ونواكشوط، من خلال الشروع في تنفيذ برنامج العمل المشترك 2026-2027، الموقع في أكتوبر 2025 بين وزيري العدل في البلدين. ويضع هذا البرنامج الرقمنة القضائية في صلب أولوياته، باعتبارها رافعة لتحديث العدالة وتسريع المساطر، إلى جانب تنسيق الجهود في مواجهة الجرائم العابرة للحدود، مثل الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.
هذا البعد يعكس إدراكا مشتركا بأن الاستقرار الإقليمي لا ينفصل عن تعزيز التعاون القضائي وحماية الحقوق، في منطقة تشهد ضغوطا أمنية متزايدة.
اقتصاديا، تؤكد المؤشرات متانة المحور المغربي الموريتاني، إذ عزز المغرب موقعه كأول مستثمر إفريقي في موريتانيا، من خلال حضور قوي في قطاعات الأبناك، والاتصالات، والزراعة. وخلال يناير 2026، شهدت العلاقات الاقتصادية زخما لافتا، تمثل في لقاءات مكثفة بين الفاعلين الاقتصاديين، ركزت على تسهيل الصادرات ومعالجة الإكراهات الجمركية واللوجستية.
وتندرج هذه الدينامية ضمن رؤية تكاملية تقوم على مبدأ “رابح رابح”، وتسعى إلى إدماج موريتانيا في مشاريع الربط القاري والتكامل الإقليمي، بما يعزز موقعها في الفضاء الأطلسي.
ويجمع محللون على أن هذا التسارع في وتيرة الاتفاقيات ليس ظرفيا، بل يعكس إرادة سياسية واضحة لتحويل العلاقات الثنائية إلى ركيزة استقرار وتنمية في محيط إقليمي مضطرب. فمن الزراعة إلى القضاء، ومن التعليم إلى الاستثمار، ينسج المغرب وموريتانيا نموذج تعاون متقدم، يضع مصالح الشعبين في صلب معادلة الشراكة الاستراتيجية.










