العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تكشف معطيات تتبع الصفقات العمومية عن حركية استثمارية متسارعة بجهة الداخلة وادي الذهب مع تسجيل 87 فرصة عمومية موزعة على قطاعات متعددة، من التعليم العالي والطرق والإنارة إلى السياحة القروية والفلاحة والثقافة واللوجستيك، في مؤشر على انتقال الاستثمار العمومي بالجهة من معالجة حاجيات قطاعية متفرقة إلى بناء منظومة أوسع تواكب التحولات الاقتصادية والترابية التي تعرفها المنطقة.
تبرز طبيعة الصفقات المعروضة توجها نحو تقوية وظائف مدينة الداخلة ومحيطها، عبر الجمع بين الاستثمار في الخدمات والتجهيزات الأساسية وبين مشاريع يفترض أن ترفع جاذبية المجال أمام السكان والكفاءات والاستثمارات، بالتوازي مع الأوراش الإستراتيجية الكبرى التي تعرفها الجهة.
ومن أبرز المشاريع المسجلة صفقة بقيمة تقديرية تفوق 22,5 مليون درهم لإنجاز الإنارة العمومية بمنطقة المعاهد والمدارس العليا بمدينة الداخلة، إلى جانب صفقات مرتبطة بتهيئة الطرق ومواكبة الأشغال بالمنطقة نفسها، بما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا القطب الجديد داخل التوسع الحضري للمدينة.
وتتجاوز دلالة الاستثمار في منطقة المعاهد والمدارس العليا حدود تجهيز فضاء جامعي، بالنظر إلى أن تطوير التعليم العالي والخدمات المحيطة به يشكل أحد العناصر القادرة على تعزيز جاذبية الداخلة للكفاءات والطلبة، وربط نمو المدينة بتكوين موارد بشرية قادرة على مواكبة توسع أنشطتها الاقتصادية.
وتظهر السياحة بدورها ضمن خريطة المشاريع الجديدة، من خلال صفقة تتجاوز قيمتها التقديرية 8,3 ملايين درهم لتجهيز إيواءات بيئية ضمن برنامج للسياحة القروية والطبيعية.
يعكس هذا النوع من المشاريع توجهانحو تنويع العرض السياحي للجهة وعدم حصره في الأنشطة المرتبطة بمدينة الداخلة وشريطها الساحلي، عبر إدماج المجالات القروية والصحراوية واستثمار مؤهلاتها الطبيعية والثقافية ضمن الدورة الاقتصادية.
كما تحضر الفلاحة في قائمة الفرص العمومية، من خلال مشاريع مرتبطة بدعم الاستثمار والإنتاج، بينها اقتناء تجهيزات تقنية لتركيب صوامع ضمن مشاريع الفلاحة التضامنية، إلى جانب صفقات مرتبطة بالحملة الفلاحية الجديدة.
يكتسب توزيع هذه المشاريع على مجالات خارج المركز الحضري أهمية خاصة في جهة شاسعة جغرافيا، إذ يطرح الاستثمار العمومي باعتباره أداة لربط الداخلة بمجالها الخلفي ومنح مناطق مثل أوسرد وبئر كندوز وتيشلا وظائف اقتصادية أكثر وضوحا، سواء في الفلاحة أو السياحة أو اللوجستيك أو استثمار الموارد المحلية.
وتشمل قائمة المشاريع كذلك صفقات مرتبطة بمركز طرقي في الكركرات بإقليم أوسرد، بما يضيف بعدا لوجستيا إلى طبيعة الاستثمارات المسجلة.
يأتي ذلك في سياق تتزايد فيه أهمية الربط الطرقي والخدمات اللوجستية بالنسبة إلى موقع الداخلة على الواجهة الأطلسية، خاصة مع توسع حركة المبادلات واتجاه الجهة نحو لعب أدوار تتجاوز وظيفتها كقطب حضري جهوي إلى موقع أكثر ارتباطا بالممرات التجارية نحو العمق الإفريقي.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الاستثمار في الطرق والمرافق والخدمات اللوجستية باعتباره جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل وظيفة المجال، بحيث تصبح الداخلة مركزا تتقاطع داخله الخدمات والتعليم والاستثمار مع الربط الطرقي والبحري والانفتاح الاقتصادي.
ولا يقتصر هذا التحول على البنيات المادية؛ إذ تكتسب مشاريع مرتبطة بالتحفيظ العقاري ونظم المعلومات الجغرافية والخرائط الاقتصادية وتحديد المواقع أهمية في تهيئة المجال للاستثمار، من خلال توفير الأدوات اللازمة لمعرفة العقار وتنظيم استعمالاته وتحسين التخطيط للمشاريع المستقبلية.
تكشف قراءة طبيعة الصفقات عن تحول تدريجي في وظيفة الاستثمار العمومي بالجهة. فبعد سنوات كان فيها التركيز منصبا بصورة كبيرة على سد الخصاص في التجهيزات الأساسية، تبرز اليوم مشاريع ترتبط بتوسيع قدرات المدينة وإعدادها لأدوار اقتصادية وخدماتية أكثر تنوعا.
فالاستثمار في منطقة للمعاهد والمدارس العليا وتحسين الطرق والإنارة وتطوير السياحة القروية، ودعم الأنشطة الفلاحية، وتقوية الخدمات اللوجستية لا يمثل أوراشا منفصلة بالضرورة، بل يمكن أن يشكل أجزاء من منظومة ترابية تتداخل فيها حاجيات السكان مع متطلبات الاستثمار.
وتبرز في هذا السياق ثلاث وظائف تتجه الداخلة إلى الجمع بينها: تعزيز مركزيتها الحضرية داخل الجهة، وتقوية ارتباطها بالممر الأطلسي وشبكات التجارة واللوجستيك، وإعادة إدماج المجالات المحيطة بها ضمن الدورة الاقتصادية من خلال مشاريع تستثمر خصوصيات كل منطقة.
كما يكشف تعدد الجهات صاحبة المشاريع عن تداخل متزايد بين المستويات الوطنية والجهوية والمحلية في برمجة الاستثمار، حيث تتولى المؤسسات الوطنية المشاريع ذات الطابع الإستراتيجي، بالتوازي مع حضور المؤسسات والمصالح الجهوية في أوراش مرتبطة بالحاجيات الترابية المباشرة.
غير أن عدد الصفقات العمومية المعروضة لا يقدم سوى جزء من حجم التحول الاستثماري الذي تعرفه جهة الداخلة وادي الذهب، إذ لا تختزل هذه القائمة الأوراش الكبرى القائمة أو المبرمجة في المنطقة.
فإلى جانب هذه المشاريع توجد أوراش إستراتيجية مرتبطة بميناء الداخلة الأطلسي، والطريق السريع تيزنيت الداخلة، وتحلية المياه، والطاقات المتجددة ومشاريع الهيدروجين الأخضر، وهي استثمارات تشتغل على مستوى مختلف من حيث الحجم والوظيفة والأثر الاقتصادي المتوقع.
وبذلك تكمن أهمية الصفقات الـ87 في أنها تكشف التفاصيل اليومية للتحول الجاري؛ من إنارة الطرق وتجهيز المؤسسات إلى دعم الفلاحة والسياحة والمرافق الثقافية والخدمات اللوجستية، وهي البنية التي يفترض أن تسمح للمشاريع الإستراتيجية الكبرى بالاندماج داخل اقتصاد جهوي متكامل.
ويبقى الرهان الأساسي مرتبطا بقدرة هذه الاستثمارات على تجاوز مرحلة إنجاز البنيات والتجهيزات نحو خلق قيمة مضافة وفرص شغل وتحريك الاقتصاد المحلي، فضلا عن ضمان استفادة المجالات الواقعة خارج مدينة الداخلة من الدينامية نفسها.
فالتحول من عاصمة جهوية إلى قطب اقتصادي ولوجستي على الواجهة الأطلسية لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات أو عدد الصفقات، وإنما بقدرة المشاريع المنجزة على بناء روابط اقتصادية بين المدينة ومحيطها، واستقطاب الاستثمار والكفاءات، ورفع جودة الخدمات، وتحويل الموقع الجغرافي للجهة إلى قيمة اقتصادية فعلية.
ومن هذه الزاوية ترسم الصفقات العمومية الحالية صورة لمرحلة تتجاوز تجهيز مدينة الداخلة في حد ذاتها إلى إعادة تنظيم مجال جهوي أوسع، يجمع بين البنية التحتية والتعليم والخدمات والإنتاج والسياحة واللوجستيك، في وقت تتجه فيه المنطقة إلى تعزيز موقعها ضمن الشبكات الاقتصادية الوطنية والأطلسية والإفريقية.




