وفد من الجهات الجنوبية في مجلس الشيوخ الفرنسي: دبلوماسية ترابية مغربية تعيد تشكيل النقاش الأوروبي حول الصحراء

محرر مقالات15 ديسمبر 2025
وفد من الجهات الجنوبية في مجلس الشيوخ الفرنسي: دبلوماسية ترابية مغربية تعيد تشكيل النقاش الأوروبي حول الصحراء

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / العيون.

 

شهدت العاصمة الفرنسية مساء الثلاثاء، لقاء سياسيا لافتا جمع وفدا يمثل الجهات الجنوبية للمملكة المغربية بأعضاء مكتب مجموعة الصداقة الفرنسية–المغربية بمجلس الشيوخ، في محطة جديدة تعكس تصاعد حضور الدبلوماسية الترابية المغربية داخل مؤسسات القرار الفرنسية، وتؤشر على تحول هادئ ولكن عميق في مقاربة الرباط لملف الصحراء داخل الفضاء الأوروبي.

 

اللقاء الذي انعقد داخل مؤسسة تشريعية فرنسية عليا، لا يندرج في إطار بروتوكولي عابر، بل يأتي ضمن توجه مغربي متدرج نحو توسيع أدوات الفعل الدبلوماسي، عبر إشراك المنتخبين المحليين والفاعلين الترابيين في الدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء.

 

يحمل هذا الحضور السياسي للجهات الجنوبية في قلب البرلمان الفرنسي دلالات تتجاوز طابع الزيارة في حد ذاتها فالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، عمل على نقل ملف الصحراء من نطاق المعالجة الدبلوماسية التقليدية إلى فضاء أوسع، يشمل البرلمانات، المجالس الجهوية، ولجان الصداقة داخل الدول المؤثرة أوروبيا.

 

ويعكس هذا المسار ثقة متزايدة في النموذج التنموي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية، والذي بات يقدم ليس فقط كخيار اقتصادي واجتماعي، بل كواقع مؤسساتي قائم، تتعامل معه العواصم الأوروبية بشكل مباشر ومتزايد، بعيدا عن المقاربات النظرية أو الخطابات المجردة.

 

لفهم دلالات هذه الدينامية الجديدة، أجري حوار مع خبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية هشام معتضد، الذي اعتبر أن أولى الرسائل التي يوجهها المغرب عبر هذه الزيارات هي أن قضية الصحراء لم تعد تدار بمنطق الاستقطاب التقليدي، بل تحولت إلى ورش مؤسساتي داخل الفضاء الغربي نفسه.

 

وأوضح الخبير أن حضور منتخبين من العيون والداخلة وكلميم داخل قصر لوكسمبورغ لا يقتصر على عرض مرافعة سياسية، بل يقدم “حقيقة ميدانية مفادها أن هذه الجهات أضحت مؤسسات قائمة، وفاعلين شرعيين، وشركاء محتملين في مشاريع مشتركة”، وهو ما يلزم الفاعل الفرنسي والأوروبي بالتعامل مع الصحراء باعتبارها فضاء مستقرا يتوفر على شرعية مؤسساتية.

 

أما الرسالة الثانية فتتعلق بما سماه معتضد بـ“الإقناع من الداخل”، أي نقل النقاش حول الصحراء من دوائر الدبلوماسية التنفيذية إلى فضاءات البرلمانات ولجان الصداقة والهيئات المنتخبة، حيث يبنى التأثير بشكل تراكمي، عبر الاحتكاك المباشر بالواقع، لا عبر البيانات الرسمية.

 

في حين تكمن الرسالة الثالثة، وفق التحليل ذاته، في أن الرباط لم تعد تنتظر تحولات المزاج السياسي داخل باريس، بل تعمل على صناعته، من خلال الانفتاح على مراكز القرار الموازية داخل الدولة الفرنسية، وفي مقدمتها البرلمان والمنتخبون المحليون وصناع الرأي.

 

ويبرز التعاون اللامركزي كأحد أهم أدوات هذا التحول، فتعزيز العلاقات بين الجهات الجنوبية ونظيراتها الفرنسية يخلق، بحسب معتضد، ما يمكن تسميته بـ“الدبلوماسية المضاعفة”، حيث لا يخاطب المغرب الدولة الفرنسية فقط، بل شبكة واسعة من الفاعلين الذين يشكلون وزنا حقيقيا في صناعة القرار.

 

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة عندما تترجم إلى اتفاقيات ومشاريع ملموسة في مجالات التعليم العالي، الطاقات المتجددة، الصحة، أو البنيات التحتية، ما ينتج اعترافا عمليا، وإن كان غير معلن قانونيا، بشرعية الإدارة المغربية في الصحراء وهو ما يساهم في تضييق هامش الخطاب الانفصالي داخل المؤسسات الأوروبية.

 

كما أن تحويل الجهات الجنوبية إلى فضاء استثماري مشترك يعيد صياغة الملف من قضية جيوسياسية معقدة إلى فرصة اقتصادية متبادلة، تتداخل فيها المصالح، وهو ما ينعكس تلقائيا على مواقف الشركاء، وفي مقدمتهم فرنسا.

 

تعكس هذه اللقاءات، في عمقها، انتقال المغرب إلى استراتيجية دبلوماسية متعددة المستويات، لم يعد فيها الملف محصورا في وزارة الخارجية، بل أصبح مشروع دولة تشارك فيه الجهات، والمؤسسات المنتخبة، والنخب الاقتصادية، والمجتمع المدني.

 

ويشير هذا التحول إلى انتقال الرباط من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة، حيث باتت تحدد إيقاع النقاش، وتبادر إلى خلق وقائع جديدة يصعب تعطيلها داخل المنظومات الأوروبية، فالتعامل المباشر بين أوروبا والعيون أو الداخلة يفرز، عمليا، هندسة دبلوماسية جديدة تجعل الصحراء المغربية فاعلا دوليا قائما بذاته.

 

في ظل انشغال أوروبا بتحدياتها الداخلية وتغير موازين القوى الدولية، يواصل المغرب تقديم نفسه كشريك استقرار، وبوابة اقتصادية نحو إفريقيا، وفاعل موثوق في قضايا الأمن والتنمية وهي عناصر تمنح النفوذ المغربي زخما متصاعدا داخل الدوائر الأوروبية، ليس فقط استنادا إلى شرعية الموقف، بل أيضا إلى هندسة دبلوماسية هادئة، تبنى خطوة بخطوة.

 

وبذلك لا يمكن قراءة لقاء باريس بمعزل عن مسار أوسع تعيد فيه الرباط صياغة قواعد التأثير داخل المؤسسات الفرنسية، مستندة إلى دبلوماسية ترابية نشطة، تترجم الرؤية الاستراتيجية للمملكة إلى حضور ملموس داخل مراكز القرار، وتكرس موقع الأقاليم الجنوبية كجزء فاعل من المعادلة الإقليمية والدولية.

الاخبار العاجلة