العيون الآن.
بقلم: أشرف بونان
في الوقت الذي كانت فيه مدينتا القصر الكبير ومدينة سيدي قاسم تعيشان على وقع فيضانات مفاجئة خلّفت خسائر مادية جسيمة وحالة من الهلع في صفوف الساكنة، كان المنتظر من وزير التجهيز والماء، نزار البركة، أن يكون في مقدمة الصفوف ميدانيا، باعتباره المسؤول الحكومي الأول عن قطاع يرتبط مباشرة بالبنيات التحتية والوقاية من مخاطر الفيضانات. غير أن الواقع كشف مرة أخرى عن غياب غير مبرر، يرقى إلى مستوى التقصير السياسي الواضح.
فبينما كانت المياه تجتاح الأحياء، وتغمر المنازل والطرقات، وتضع المواطنين في مواجهة الخطر، سجل الوزير حضورا باهتا في الميدان، مقابل حضور قوي ومكثف في الأنشطة الحزبية لحزب الاستقلال بصفته أمينا عاما له. وهو ما يطرح، بحدة، سؤال ترتيب الأولويات: هل أصبح الانشغال الحزبي مقدما على الواجب الحكومي في لحظات الأزمات؟
أمام هذا الغياب، تحركت الدولة من أعلى مستوى، حيث صدرت التعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للقوات المسلحة الملكية من أجل التدخل الفوري والميداني لتدبير الأزمة، وتسخير الإمكانيات البشرية واللوجيستيكية الضرورية لمساعدة الساكنة المتضررة، في تجسيد واضح لحرص المؤسسة الملكية على حماية أرواح المواطنين وضمان سلامتهم في الظروف الاستثنائية.
وقد لبّت القوات المسلحة الملكية هذه التعليمات السامية، إلى جانب السلطات المحلية ومختلف الأجهزة الأمنية، من الدرك الملكي والقوات المساعدة والوقاية المدنية، التي كانت حاضرة في الميدان، تتحمل عبء التدخل، وتنقذ الأرواح، وتحدّ من الخسائر، في وقت كان فيه الوزير الوصي على القطاع غائبا عن مسرح الأحداث.
إن حضور الجيش استجابة لتعليمات ملكية سامية، رغم أهميته ودلالته القوية، لا يجب أن يتحول إلى غطاء سياسي لغياب الوزير المختص. فالتدخل الملكي يأتي عندما تتطلب الظروف تعبئة شاملة، لكنه لا يعفي المسؤول الحكومي من واجبه في الحضور الميداني، والتواصل مع المواطنين، وتحمل مسؤوليته السياسية كاملة غير منقوصة.
إن تدبير مخاطر الفيضانات ليس قدرا مفاجئا، بل هو نتيجة تراكمات واختيارات، ويقع في صلب اختصاصات وزارة التجهيز والماء، من التخطيط والاستباق، إلى الصيانة والمراقبة، ثم الحضور الميداني عند وقوع الكارثة. أما الاكتفاء بالصمت، أو الاكتفاء بتفويض التدبير للسلطات المحلية، فهو سلوك لا ينسجم مع منطق المسؤولية السياسية.
ما وقع في القصر الكبير ومدينة سيدي قاسم يعيد إلى الواجهة إشكالية الخلط بين الصفة الحزبية والمسؤولية الحكومية. فحين تُخصص الطاقة والوقت للأنشطة التنظيمية، ويُغيب الحضور الوزاري عن الأزمات، فإننا أمام خلل عميق في فهم معنى المنصب العمومي.
المواطنون لا ينتظرون من وزيرهم صورا في ملتقيات حزبية ولا خطابات سياسية، بل ينتظرون حضورا فعليا في لحظات الشدة، وقرارات عاجلة، وتواصلا مباشرا يبعث على الثقة. أما الغياب في زمن الكوارث، فلا يمكن تبريره بأي حساب سياسي أو تنظيمي.
لقد آن الأوان لأن يدرك نزار البركة أن الكوارث الطبيعية لا تنتظر أجندة حزبية، وأن كرامة المواطن المتضرر أولى من أي رهان سياسي ضيق. فإما أن يكون الوزير في قلب الميدان عند الأزمات، متحملا لمسؤوليته كاملة، أو أن يعترف صراحة بعدم قدرته على الجمع بين الزعامة الحزبية وتدبير قطاع حيوي يمس حياة المغاربة بشكل مباشر.











