العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لم يمر التحول المفاجئ في موقف كولومبيا من قضية الصحراء دون ردود فعل داخل الأوساط السياسية القريبة من جبهة البوليساريو، بعدما انتقلت تداعيات القرار الجديد من الساحة الدبلوماسية إلى البرلمان الكولومبي، في محاولة للضغط على الحكومة الجديدة في بوغوتا ودفعها إلى مراجعة موقفها من النزاع.
كانت الحكومة الكولومبية الجديدة قد أعلنت في 8 غشت الجاري الاعتراف بسيادة المملكة المغربية على الصحراء، بالتزامن مع بداية ولاية الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييا، في تحول لافت عن السياسة التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق غوستافو بيترو منذ سنة 2022.
بالتوازي مع إعلان الاعتراف أعلنت الخارجية الكولومبية تجميد علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، ووقف الاتصالات السياسية والدبلوماسية معها إلى جانب عدم دعمها في المحافل متعددة الأطراف، وربطت التحول الجديد بتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع المغرب.
وبذلك لم يقتصر القرار على تغيير صياغة الموقف من قضية الصحراء، وإنما شمل إعادة ترتيب كاملة للعلاقة مع جبهة البوليساريو والمغرب في آن واحد، وهو ما يمنح الخطوة بعدا يتجاوز مجرد تعديل دبلوماسي محدود.
وفي أعقاب القرار تحرك عدد من النواب الكولومبيين المعارضين له إذ تحدثت مصادر إعلامية موالية للبوليساريو عن توقيع أكثر من 40 عضوا في الكونغرس بيانا ينتقد موقف الحكومة الجديدة ويدعو إلى مراجعته.
يأتي هذا التحرك في وقت تسعى فيه الجبهة وأنصارها إلى استثمار أي اعتراض داخلي في كولومبيا لتقديم القرار الحكومي باعتباره موضع خلاف سياسي، بعد أن شكل الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء وتجميد العلاقات مع الجبهة تحولا كبيرا مقارنة بموقف الإدارة السابقة.
غير أن انتقال النقاش إلى البرلمان لا يعني دستوريا انتقال صلاحية تحديد السياسة الخارجية من السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية.
فالدستور الكولومبي يمنح رئيس الجمهورية بصفته رئيس الدولة والحكومة، صلاحية توجيه العلاقات الدولية، وهو ما يجعل إدارة السياسة الخارجية من الاختصاصات الأساسية للرئاسة.
في المقابل يمارس الكونغرس صلاحيات الرقابة السياسية والتشريعية، كما يضطلع بدور في المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية وفق الحالات التي يحددها الدستور، لكن ذلك لا يجعله الجهة صاحبة الاختصاص المباشر في صياغة الموقف الدبلوماسي للدولة أو إدارة علاقاتها الخارجية.
وتزداد صعوبة تحويل الاعتراض البرلماني إلى قرار ملزم للحكومة بالنظر إلى تركيبة الكونغرس نفسه. فالتيارات السياسية المرتبطة بالإدارة السابقة لا تتوفر على أغلبية منفردة داخل أي من مجلسي الكونغرس، ما يجعل قدرتها على ممارسة الضغط السياسي قائمة، لكنها لا تمنحها آليا القدرة على فرض تغيير في توجهات السياسة الخارجية للرئيس الجديد.
تتوزع الخريطة البرلمانية بين أحزاب وتيارات متعددة، من بينها المركز الديمقراطي والحزب الليبرالي والحزب المحافظ وحزب التغيير الراديكالي، إلى جانب قوى أخرى، وهو ما يجعل تمرير أي تحرك تشريعي أو سياسي ضد توجه الحكومة مرتبطا بحسابات وتحالفات أوسع من مجرد توقيع بيان احتجاجي.
ومن ثم فإن وجود أكثر من 40 توقيعا على موقف رافض للقرار يعكس وجود معارضة سياسية له، لكنه لا يشكل في حد ذاته آلية دستورية لإلغائه أو إجبار السلطة التنفيذية على التراجع عنه.
تكتسب هذه التطورات أهميتها بالنظر إلى المسار السابق للعلاقات الكولومبية مع جبهة البوليساريو. فبوغوتا كانت قد أقامت علاقات مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” سنة 1985 قبل أن تجمدها سنة 2001، ثم أعادت حكومة غوستافو بيترو تفعيلها سنة 2022.
وبالتالي فإن القرار الصادر في غشت الجاري لا يمثل عودة إلى موقف سابق فحسب بل يعكس تحولا في اتجاه معاكس تماما للسياسة التي تبنتها حكومة بيترو.
كما أن الإعلان الرسمي جمع بين عدة خطوات في وقت واحد: الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، وتجميد العلاقات مع البوليساريو، ووقف الاتصالات السياسية معها، وعدم دعمها في المحافل متعددة الأطراف، والتوجه نحو تعزيز الشراكة مع الرباط.
وهذا التراكم هو ما يفسر انتقال أنصار الجبهة سريعا إلى الساحة البرلمانية بحثا عن مساحة جديدة لمواجهة القرار بعد تسجيل تحول واضح على المستوى التنفيذي.
ويحمل الموقف الكولومبي الجديد أهمية إضافية بالنظر إلى عضوية كولومبيا الحالية في مجلس الأمن الدولي كعضو غير دائم. وبالتالي فإن إعلان بوغوتا عدم دعم جبهة البوليساريو في المحافل متعددة الأطراف يكتسي دلالة خاصة، خصوصا بالنسبة إلى مسار المفاوضات الأممي حول قضية الصحراء.
ومن هذه الزاوية فإن الرهان بالنسبة إلى البوليساريو لا يرتبط فقط بإعادة كولومبيا إلى موقفها السابق، وإنما أيضا بالحيلولة دون تحول موقفها الجديد إلى سياسة دبلوماسية مستقرة داخل المؤسسات الدولية.
وتشير التطورات الحالية إلى أن جبهة البوليساريو، بعد خسارة موقع مهم في الساحة التنفيذية الكولومبية، تحاول إعادة فتح النقاش من بوابة المؤسسات السياسية الداخلية.
فالاعتراض البرلماني يوفر للجبهة مادة سياسية وإعلامية لتقديم القرار باعتباره موضع انقسام داخلي، غير أن الوزن الدستوري لهذا التحرك يبقى مختلفا عن القرار الصادر عن السلطة التنفيذية.
وفي انتظار معرفة ما إذا كان الاعتراض البرلماني سيتحول إلى مبادرة سياسية أوسع أو سيبقى في حدود الموقف الاحتجاجي، يظل القرار الرسمي للحكومة الكولومبية هو المعطى الأكثر وضوحا في المرحلة الحالية، خصوصاً أنه لم يقتصر على ملف السيادة على الصحراء، بل أعاد أيضا رسم طبيعة العلاقة بين بوغوتا وجبهة البوليساريو.
وهكذا تبدو المعركة الكولومبية الجديدة بالنسبة للبوليساريو انتقالا من محاولة التأثير في القرار الدبلوماسي إلى محاولة الضغط من داخل المؤسسات السياسية، في وقت أصبح فيه التحدي الأساسي أمام أنصار الجبهة هو منع ترسيخ التحول الجديد في السياسة الخارجية الكولومبية وليس مجرد الاعتراض على إعلان واحد.












