العيون الآن.
تشهد الصناعة الدفاعية بالمغرب محطة جديدة مع انطلاق عملية توظيف كفاءات وطنية من طرف شركة “أطلس للدفاع”، الفرع المغربي لشركة بايكار التركية المتخصصة في الطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية المتقدمة.
تندرج هذه الخطوة ضمن مشروع صناعي استراتيجي يتمثل في إنشاء مصنع حديث بمدينة بنسليمان، يهدف إلى تقديم خدمات الصيانة والدعم التقني لأسطول الطائرات المسيرة التابع لـ القوات المسلحة الملكية، بما يعزز الجاهزية العملياتية ويقلص الاعتماد على الخدمات الخارجية.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن دور المصنع لن يقتصر على الصيانة الدورية والدعم اللوجستي، بل سيمتد إلى تصنيع مسيّرات جديدة مكيفة مع احتياجات القوات المسلحة، إضافة إلى تطوير نماذج متقدمة من الطائرات المسيرة بعيدة المدى. هذا التحول يعكس توجها نحو توطين التكنولوجيا ونقل المعرفة بدل الاكتفاء بالاقتناء.
في عالم الصناعات الدفاعية الفارق بين “مستخدم للسلاح” و“منتج للتكنولوجيا” ليس تفصيلا تقنيا بل مسألة سيادة. امتلاك القدرة على الصيانة والتطوير محليا يعني التحكم في سلاسل الإمداد، وتقليص كلفة التشغيل، وضمان الاستقلالية في القرارات العملياتية.
المشروع يراهن على مهندسين وتقنيين مغاربة في تخصصات دقيقة مثل إلكترونيات الطيران (Avionics)، وأنظمة التحكم، والاتصالات المشفرة. هذه المجالات ليست مجرد وظائف، بل بنية تحتية معرفية تبنى عليها صناعات كاملة.
عندما تتأسس قاعدة صناعية دفاعية فإن أثرها لا يبقى محصورا في المجال العسكري. التكنولوجيا المتقدمة غالبا ما تتسرب إلى قطاعات مدنية: الاتصالات، الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، وحتى الطيران المدني. هكذا تشتغل منظومات الابتكار في الدول التي قررت دخول نادي الصناعات الدقيقة.
الشراكة مع “بايكار” تعكس توجها مغربيا واضحا نحو تنويع الشركاء الدوليين في المجال الدفاعي، مع التركيز على نقل التكنولوجيا بدل الاقتصار على صفقات الشراء. تركيا نفسها بنت صناعتها الدفاعية خلال العقدين الأخيرين على فلسفة تقليل التبعية الخارجية، والمغرب يستلهم جزءا من هذا النموذج.
المعادلة هنا واضحة: أمن حديث يحتاج صناعة حديثة، وصناعة حديثة تحتاج عقولاً مدربة واستثمارا طويل النفس. المصنع في بنسليمان ليس مجرد بناية إسمنتية، بل اختبار حقيقي لقدرة المغرب على التحول من مستهلك للتكنولوجيا الدفاعية إلى مساهم في إنتاجها.
وفي عالم تتغير فيه طبيعة الحروب بسرعة حيث الطائرات المسيرة أصبحت عنصرا حاسما في موازين القوة فإن من يملك التكنولوجيا يملك هامش القرار. والصناعة الدفاعية، في النهاية، ليست فقط عن السلاح… بل عن المعرفة، والسيادة، والقدرة على قراءة المستقبل قبل أن يصل.












