العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
قدمت جبهة البوليساريو الأحد 13 شتنبر الجاري صورة “شديدة التنظيم” عن الأوضاع داخل مخيمات تندوف، بالتزامن مع زيارة وفد منظمة “Cives Mundi” الإسبانية وإطلاق الموسم الدراسي 2026/2027، حيث تصدرت المدارس والمشاريع الإنسانية واللقاءات المؤسساتية المشهد الذي نقلته وسائل إعلام الجبهة.
مدارس تستقبل التلاميذ ومسؤولون يتحدثون عن “ظروف ملائمة”، ومشاريع لفائدة النساء والأطفال، وهلال أحمر يعرض برامج المساعدة أمام ضيوف أجانب. لكن خلف هذه الواجهة يطرح سؤال أكثر إحراجا: هل تكفي جولة داخل مؤسسات اختيرت ضمن برنامج رسمي لتكوين صورة حقيقية عن حياة السكان داخل مخيمات ظلت لأكثر من نصف قرن مرتبطة بالمساعدات الإنسانية الدولية؟
الصورة التي تقدمها البوليساريو للوفود الأجنبية تصطدم بمعطيات المؤسسات الدولية نفسها، التي تكشف استمرار أزمة إنسانية عميقة واعتمادا استثنائيا للسكان على المساعدات الخارجية، إلى جانب جدل حقوقي متواصل بشأن أوضاع المخيمات ومطالب بإتاحة مراقبة حقوقية أكثر انتظاما واستقلالية.
المفارقة الأولى تظهر بمجرد الانتقال من بيانات البوليساريو إلى أرقام برنامج الأغذية العالمي. ففي تقريره السنوي عن سنة 2025 أكد البرنامج أن 81 في المائة من سكان المخيمات يعتمدون على المساعدات الإنسانية، في ظل محدودية فرص كسب العيش وندرة الموارد وارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي. وأظهرت عمليات المراقبة التي أجراها البرنامج في يونيو 2025 أن 90 في المائة من الأسر لجأت إلى استراتيجيات للتكيف مع نقص الغذاء.
وفي فبراير 2026 كان برنامج الأغذية العالمي أكثر وضوحا عندما أكد أن أكثر من 80 في المائة من سكان المخيمات يعتمدون كليا على المساعدات الإنسانية لتغطية احتياجاتهم الغذائية الأساسية، بالتوازي مع استمرار الجدل بشأن تدبير هذه المساعدات والاتهامات التي وُجهت، في مناسبات مختلفة، بشأن تحويل جزء منها عن المستفيدين المفترضين.
هكذا تظهر مفارقة يصعب تجاوزها: بعد أكثر من خمسة عقود من إدارة المخيمات، لا تزال الغالبية الساحقة من سكانها مرتبطة بأكياس الغذاء والتمويل القادم من الخارج.
وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى حجم المساعدات التي تتدفق سنويا نحو المخيمات. فبرنامج الأغذية العالمي يقدم نحو 134 ألف حصة غذائية، موزعة عبر 116 نقطة داخل المخيمات الخمسة، فيما وفر خلال سنة 2025 وحدها أكثر من 22 ألف طن من المواد الغذائية لفائدة نحو 133 ألف مستفيد.
ويشير البرنامج إلى أن عملياته تخضع للمراقبة بالتعاون مع منظمات وطنية ودولية لضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين المستهدفين، غير أن استمرار مستويات مرتفعة من الهشاشة الغذائية رغم عقود من الدعم يجعل الشفافية والحكامة في تدبير المساعدات سؤالا قائما.
وقد وصل هذا النقاش إلى الأمم المتحدة نفسها إذ شهد اجتماع للجنة الرابعة والعشرين في يونيو الماضي إثارة الحاجة إلى وصول المساعدات الدولية إلى سكان المخيمات وفق مبادئ “الشفافية والمساءلة والحكامة الجيدة”.
وبالتزامن مع زيارة الوفد الإسباني، اختارت البوليساريو تسليط الضوء على افتتاح الموسم الدراسي، مقدمة المدارس باعتبارها دليلا على انتظام الحياة داخل المخيمات. لكن وضع التعليم لا يمكن فصله عن البيئة الإنسانية المحيطة بالأطفال.
فالمؤسسات الدولية لا تزال مطالبة بتأمين الغذاء والتغذية والصحة والماء والتعليم لفئات واسعة من سكان المخيمات، بينما يؤكد برنامج الأغذية العالمي استمرار برامج خاصة بمواجهة سوء التغذية لدى الأطفال دون الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات.
وفي سنة 2025، قدم البرنامج أغذية علاجية ومتخصصة لنحو 15 ألف طفل دون الخامسة للوقاية من سوء التغذية الحاد المتوسط وعلاجه.
أي أن الطفل الذي يظهر صباحا داخل الفصل الدراسي في الصور الرسمية قد يكون هو نفسه جزءا من منظومة إنسانية تعتمد على التمويل الخارجي لتأمين احتياجات أساسية خارج ذلك الفصل.
غير أن الغذاء والتعليم لا يمثلان سوى جزء من الأسئلة التي تحيط بالمخيمات. فعلى مدى السنوات الماضية طُرحت أمام هيئات ومنابر حقوقية ودولية شهادات واتهامات تتعلق بالاحتجاز والتضييق على المعارضين والتعذيب والاختفاء وغيرها من الانتهاكات التي يقول أصحابها إنهم تعرضوا لها داخل المخيمات، إلى جانب مطالب بإتاحة وصول مستقل إلى الضحايا وأصحاب الروايات المناقضة لرواية قيادة الجبهة.
وهنا يصبح برنامج زيارة أي وفد أجنبي عاملا أساسيا في تقييم الصورة التي يعود بها. فالاجتماع بمسؤولي المؤسسات وزيارة مدرسة أو مشروع إنساني لا يعادل الاستماع بصورة مستقلة إلى المعارضين والضحايا السابقين وعائلات المختفين والمنتقدين لقيادة الجبهة، ولا يغني عن وصول آليات حقوقية مستقلة إلى الأشخاص والأماكن التي تختارها بنفسها.
ومن ثم فإن السؤال لا يتعلق فقط بما شاهده الوفد الإسباني، بل بما إذا كان قد أتيح له أن يشاهد ويسمع خارج البرنامج الذي قُدم إليه.
وتكشف طريقة تقديم زيارة “Cives Mundi” عن أهمية حضور المنظمات الأجنبية بالنسبة إلى البوليساريو، ليس فقط باعتبارها شريكا في المشاريع الإنسانية، وإنما أيضا لما تمنحه مثل هذه الزيارات من صورة خارجية عن المخيمات.
غير أن زيارة مشروع إنساني والاستماع إلى القائمين عليه لا يعادلان إجراء تقييم مستقل للأوضاع الحقوقية والإنسانية، كما أن حضور منظمة أجنبية لا يمنح في حد ذاته، شهادة دولية بصحة كل ما يعرض عليها.
وهنا تحديدا تظهر الفجوة بين واجهة الزيارة والأسئلة التي بقيت خارج برنامجها. فإلى جانب أرقام المؤسسات الدولية بشأن الفقر الغذائي والاعتماد على المساعدات، توجد روايات خرجت من داخل المخيمات لضحايا ومعارضين وعائلات تتحدث عن الاعتقال والتعذيب والاختفاء وسوء المعاملة، فضلا عن أوضاع أطفال ونساء ومرضى أثارت بشأنها جهات حقوقية مطالب بالتحقيق والمساءلة. وهي روايات، بصرف النظر عن الموقف السياسي من النزاع، لا يمكن حذفها من أي محاولة جادة لتكوين صورة متكاملة عن واقع المخيمات.
وربما تكمن أكبر مفارقات المشهد في أن مساءلة الصورة التي تقدمها البوليساريو لا تحتاج إلى الاكتفاء برواية سياسية مضادة؛ فهناك أرقام دولية وشهادات حقوقية تفرض أسئلتها بنفسها.
بعد أكثر من نصف قرن ما زالت غالبية السكان تعتمد على المساعدات لتأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية، فيما يحتاج آلاف الأطفال إلى تدخلات غذائية متخصصة، ويستمر المجتمع الدولي في تمويل جزء أساسي من الخدمات الضرورية داخل المخيمات.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يحمله أي وفد أجنبي بعد مغادرة تندوف ليس فقط: ماذا شاهد خلال الزيارة؟ وإنما أيضا: ماذا لم يتح له أن يرى، ومن لم تتح له فرصة الاستماع إليه؟
ذلك هو الجانب الذي لا تظهره الصور الرسمية؛ فزيارة المدارس والمشاريع الإنسانية تقدم جزءا من المشهد، لكنها لا تستطيع وحدها تقديم الإجابة الكاملة عن واقع مخيمات تندوف والأسئلة الإنسانية والحقوقية التي تراكمت حولها طوال عقود.












