العيون الآن.
يوسف بوصولة
بعد أشهر طويلة من الجمود الذي طبع ملف الترحيل بين فرنسا والجزائر،ك بدأت مؤشرات تحول لافتة تبرز في طريقة تدبير هذا الملف الحساس، مع تسجيل استئناف محدود لعمليات إعادة المهاجرين الجزائريين الصادرة في حقهم قرارات مغادرة التراب الفرنسي، في خطوة توحي بإعادة ضبط المقاربة الجزائرية بعد مرحلة من التوتر الدبلوماسي الحاد.
المعطيات التي كشفت عنها جمعية “لا سيماد” بشأن ترحيل شخصين من مركز احتجاز إداري بمدينة رين لا تبدو معزولة بل تعكس تغيرا تدريجيا في سلوك الجزائر، التي كانت خلال الأشهر الماضية تعتمد سياسة تقليص التعاون القنصلي عبر الامتناع عن إصدار تصاريح المرور، وهو ما أدى عمليا إلى تعطيل تنفيذ قرارات الترحيل الفرنسية.
هذا التعطيل لم يكن تقنيا بقدر ما كان سياسيا بامتياز، إذ جاء في سياق رد فعل مباشر على التحول في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية، وهو ما دفع الجزائر إلى توظيف ملف الهجرة كورقة ضغط عبر تعقيد أحد أكثر الملفات حساسية داخل الساحة السياسية الفرنسية.
غير أن هذا النهج وفق مراقبين بلغ سقفه خاصة مع تصاعد الضغط الفرنسي، حيث لم تكتف باريس بالتلويح بل انتقلت إلى خطوات ملموسة من بينها فتح نقاش سياسي حول مراجعة اتفاقية 1968 التي تمنح امتيازات خاصة للمواطنين الجزائريين في الإقامة والعمل. وقد شكل هذا التوجه رسالة واضحة مفادها أن استمرار التعطيل ستكون له كلفة سياسية وقانونية.
في هذا السياق يبدو أن الجزائر بدأت تميل نحو تخفيف حدة المواجهة ليس بالضرورة تراجعا كاملا، بل إعادة تموقع محسوبة توازن بين الحفاظ على أوراق الضغط وتفادي خسارة مكتسبات تاريخية خاصة تلك المرتبطة بوضع الجالية الجزائرية في فرنسا.
ورغم هذه المؤشرات فإن العلاقات بين البلدين لم تستعد بعد استقرارها الكامل، إذ لا تزال ملفات عالقة تلقي بظلالها من بينها قضية الموظف القنصلي الجزائري الموقوف في فرنسا والتي أعادت التوتر إلى الواجهة، إلى جانب ملف الناشط الجزائري المقيم في الخارج الذي يظل بدوره نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين.
في المحصلة يكشف هذا التطور أن ملف الترحيل لم يعد مجرد إجراء إداري، بل تحول إلى أداة ضمن لعبة توازنات دبلوماسية معقدة، حيث تختلط الحسابات السياسية بالرهانات الداخلية، في علاقة لا تزال محكومة بمنطق شد الحبل أكثر من منطق الشراكة المستقرة.












