العيون الآن.
يوسف بوصولة
تتجه دولة الإمارات العربية المتحدة بخطى متسارعة نحو تعزيز حضورها الاقتصادي في الصحراء المغربية، عبر ضخ استثمارات ونسج شراكات استراتيجية كبرى، في سياق دولي يتقاطع فيه الاقتصادي بالدبلوماسي، وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية التي جددت اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. هذا التوجه لا يندرج في خانة المبادرات الظرفية، بل يعكس رؤية بعيدة المدى تروم تحويل الصحراء المغربية إلى قطب اقتصادي إقليمي ذي إشعاع قاري ودولي.
ووفق تقرير حديث صادر عن “أفريكا إنتليجنس” المتخصصة، بدأت تتبلور ملامح تحالف اقتصادي جديد يضم أبوظبي ومؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC)، مع انخراط متزايد لشركات أمريكية كبرى تبحث عن موطئ قدم استثماري بالأقاليم الجنوبية، في وقت يرتقب فيه انضمام بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM) لتسهيل آليات التمويل وضمان استدامة المشاريع. يعكس هذا التقاطع رغبة دولية واضحة في دعم المشاريع الاستراتيجية بالصحراء المغربية، باعتبارها فضاءً مستقرا وجاذبا للاستثمار.
تراهن الإمارات حسب المعطيات ذاتها، على نموذج استثماري قائم على المشاريع المشتركة المتخصصة، مع تركيز خاص على قطاعات الطاقات المتجددة، والبنيات التحتية الكبرى، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي، بما يضمن حماية الاستثمارات وتوسيعها على المدى المتوسط والبعيد. ويواكب هذا الزخم الاقتصادي دعم دبلوماسي أمريكي صريح، ترجم بتصريحات نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لانداو، الذي أكد تشجيع بلاده للاستثمارات الأمريكية في الأقاليم الجنوبية، في خطوة تعزز الدبلوماسية الاقتصادية وتكرس الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء على أرض الواقع.
ويستند هذا التحول الاستثماري إلى قاعدة سياسية واقتصادية متينة، أرساها الإعلان المشترك حول “الشراكة المبتكرة والمتجددة” الذي وقعه الملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد آل نهيان في دجنبر 2022، والذي فتح آفاق تعاون واسعة تشمل تمويل مشاريع البنيات التحتية، النقل، الماء والطاقة، إلى جانب السياحة والعقار وبرامج التكوين والتشغيل، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المتكاملة.
وتتجسد هذه الشراكة في سلسلة من المشاريع المهيكلة، أبرزها تطوير مطار الداخلة الدولي في إطار مشروع “Dakhla Hub”، وإنجاز ميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب المشروع المندمج “Dakhla Gateway to Africa”، فضلا عن استثمارات نوعية في مجال الهيدروجين الأخضر. ولا يقتصر الحضور الإماراتي على الأقاليم الجنوبية فقط، بل يمتد ليشمل تحديث وتطوير مطارات الدار البيضاء ومراكش والناظور، في إطار رؤية شمولية لإعادة هيكلة المنظومة اللوجستية الوطنية.
كما يتجاوز هذا التعاون البعد الوطني نحو أفق قاري، حيث يراهن الطرفان، عبر صناديق الاستثمار السيادية، على تطوير البنى التحتية الإفريقية، من خلال مشاريع استراتيجية كبرى، من قبيل أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، وإحداث أسطول بحري تجاري، بما يعزز موقع المغرب كجسر اقتصادي بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين. وبهذا الزخم المتكامل، تتكرس الأقاليم الجنوبية للمملكة ليس فقط كفضاء للتنمية والاستثمار، بل كبوابة للاستقرار والنمو في محيط إقليمي ودولي متغير.












