برنامج فرنسي يكشف عمق العزلة الدبلوماسية للجزائر ويؤكد رسوخ الدعم الفرنسي لمغربية الصحراء

محرر مقالات24 يناير 2026
برنامج فرنسي يكشف عمق العزلة الدبلوماسية للجزائر ويؤكد رسوخ الدعم الفرنسي لمغربية الصحراء

العيون الآن 

يوسف بوصولة

 

سلط برنامج “تحقيق إضافي” الذي بثته القناة الفرنسية فرانس 2 مساء الخميس، الضوء على واحدة من أعمق الأزمات التي تعرفها العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ سنوات، كاشفا بالأدلة والشهادات أن قرار باريس الاعتراف بمغربية الصحراء لم يكن لحظة ارتجال سياسي بل نتيجة مسار مدروس، في مقابل عجز جزائري عن قراءة التحولات واستيعاب موازين القوى الجديدة.

 

البرنامج الذي استند إلى شهادات لمسؤولين ودبلوماسيين سابقين من الجانبين، أبرز أن رسالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس بتاريخ 30 يوليوز 2024، والتي أكد فيها دعم فرنسا الصريح لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، شكلت نقطة فاصلة في العلاقة مع الجزائر، ليس بسبب القرار في حد ذاته، بل بسبب إصرار النظام الجزائري على مقاربته بمنطق الإنذار والضغط بدل الدبلوماسية الهادئة.

 

وفي هذا السياق نقل البرنامج عن شمس الدين حفيظ عميد مسجد باريس الكبير، قوله إن الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء مثل «قطيعة حقيقية» في علاقة ماكرون بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في إشارة إلى حجم الرهان الذي وضعته الجزائر على منع هذا التحول، دون امتلاك أدوات واقعية لتحقيقه.

 

وكشف البرنامج أن محاميا سبق له تمثيل جبهة البوليساريو أمام محكمة العدل الأوروبية، نقل عن مدير الحملة الانتخابية لعبد المجيد تبون في فرنسا، أن الرئيس الجزائري وجه تحذيرا مباشرا لماكرون خلال لقائهما على هامش قمة مجموعة العشرين بإيطاليا في يونيو 2024، مفاده: «إذا فعلت ذلك فسيكون الأمر قد انتهى بيننا».

 

غير أن هذه المقاربة التي تعكس ذهنية الوصاية والضغط اصطدمت بقرار فرنسي سيادي كما أكده سفير فرنسا بالجزائر، ستيفان رامتيت الذي شدد على أن الاعتراف بمغربية الصحراء جرى التفكير فيه «لأسابيع طويلة»، واتّخذ «بكامل الوعي والمسؤولية»، مع إدراك تام لتداعياته على العلاقات مع كل من الرباط والجزائر.

 

البرنامج كشف أيضا أن باريس لم تخف توجهها الجديد، بل بعثت إشارات سياسية واقتصادية متدرجة قبل الإعلان الرسمي. ففي 26 فبراير 2024 وخلال أول زيارة له إلى المغرب أشاد وزير الخارجية الفرنسي السابق ستيفان سيجورنيه بمشاريع التنمية في الأقاليم الجنوبية، مؤكدا التزام بلاده بمواكبة الجهود المغربية، في موقف لم يكن معزولا أو بروتوكوليا.

 

غير أن الجزائر وفق ما أبرزه التحقيق، اختارت تجاهل هذه المؤشرات، بل إن بعض وسائل إعلامها حاولت التقليل من أهميتها، في قراءة اتضح لاحقا أنها منفصلة عن الواقع الدبلوماسي والتحولات الجارية داخل دوائر القرار الفرنسية.

 

وتعزز هذا المسار في أبريل 2024، عندما أعلنت باريس التزامها بتمويل مشروع كابل كهربائي استراتيجي بقدرة 3 جيغاوات يربط الدار البيضاء بالداخلة، وهو ما اعتبر عمليا اعترافا بالسيادة الاقتصادية للمغرب على صحرائه، ورسالة واضحة بأن الشراكة المغربية الفرنسية دخلت مرحلة جديدة، قائمة على المصالح الكبرى والاستقرار طويل الأمد.

 

وفي مفارقة لافتة أشار البرنامج إلى أن الجزائر باتت اليوم تسعى إلى إعادة ترميم علاقاتها مع باريس، مع محاولة تجنب جعل ملف الصحراء محورا للصدام، في اعتراف غير مباشر بفشل خيار القطيعة.

 

ويتجلى ذلك حسب المعطيات المعروضة، في التنازلات التي قدمتها الجزائر في 11 يناير الجاري بشأن استعادة مواطنيها الصادر في حقهم قرارات مغادرة التراب الفرنسي، إضافة إلى حذف بنود حساسة من مشروع قانون تجريم الاستعمار، كانت من شأنها تأزيم العلاقات مع باريس.

 

ويخلص البرنامج إلى أن هذه التحركات تعكس إدراكا متأخرا لدى النظام الجزائري بصعوبة الاستمرار في مواجهة مفتوحة مع فرنسا، في ظل التحولات الجيوسياسية الدولية، واستقرار الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء، وتنامي الشراكة الاستراتيجية مع الرباط باعتبارها فاعلا إقليميا موثوقا.

 

بهذا المعنى لا يكتفي التحقيق الفرنسي بتشخيص أزمة عابرة، بل يضع الأصبع على جوهر الخلل: دبلوماسية مغربية هادئة، تراكمية وفعالة، مقابل خطاب جزائري تصعيدي، لم يعد يجد صدى في العواصم

الاخبار العاجلة