العيون الآن.
يوسف بوصولة
حمل المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة الروسية–الإفريقية، المنعقد بالعاصمة المصرية القاهرة، دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز مضامينه الاقتصادية والتعاونية المعلنة، ليعكس تحولا لافتا في طريقة تعاطي الفاعلين الدوليين مع القضايا الخلافية داخل القارة الإفريقية وعلى رأسها نزاع الصحراء المغربية.
فقد كرس المنتدى مقاربة قائمة على الواقعية السياسية واحترام الشرعية الدولية، من خلال حصر المشاركة في الدول الإفريقية المعترف بها داخل منظومة الأمم المتحدة، وهو ما ترتّب عنه تلقائيا إقصاء جبهة البوليساريو الانفصالية، باعتبارها كيانا غير معترف به دوليا ولا يتوفر على أي صفة قانونية تخول له الحضور في فضاءات التعاون متعددة الأطراف.
ولم يكن هذا الإقصاء مجرد إجراء بروتوكولي أو تفصيل تنظيمي، بقدر ما عكس توجها دبلوماسيا روسيا واضحا، يرفض الزج بالمنتديات الدولية في صراعات إقليمية أو مجاملات إيديولوجية، ويؤكد أن الشراكات الاستراتيجية تبنى مع الدول ذات السيادة الكاملة، لا مع كيانات تفتقر للشرعية القانونية.
هذا التطور شكل في المقابل نكسة دبلوماسية للنظام الجزائري، الذي دأب على توظيف المحافل الإفريقية والدولية للترويج للأطروحة الانفصالية، مستندا إلى تحالفات ظرفية وضغوط سياسية. غير أن ما جرى في القاهرة كشف بوضوح حدود هذا النفوذ، وأبرز تراجع قدرة الجزائر على فرض حضور جبهة البوليساريو داخل المنتديات ذات الثقل السياسي والدولي.
ويعكس الموقف الروسي إدراكا متزايدا لحساسية ملف الصحراء المغربية، واختيارا واعيا للتعامل معه وفق منطق الشرعية الدولية، بعيدا عن الحسابات الأيديولوجية. كما يؤشر على تباعد نسبي في الرؤى بين موسكو والجزائر، رغم ما يجمعهما من علاقات تقليدية، خاصة في المجال العسكري، إذ باتت روسيا، في سعيها لتعزيز حضورها الإفريقي، أقل استعدادا لمجاراة رهانات إقليمية قائمة على منطق الصراع بدل الاستقرار.
وعلى هامش المؤتمر بدت التحركات الجزائرية مرتبكة، حيث حاولت إعادة طرح ملف الصحراء في نقاشات جانبية وبعناوين فضفاضة، دون أن تنجح في التأثير على جدول أعمال المنتدى أو كسر الإطار الصارم الذي فرضته روسيا بشراكة مع مصر والاتحاد الإفريقي. وهو ما يعكس تآكل خطاب البوليساريو وفقدانه لزخم التأثير حتى داخل الفضاء الإفريقي نفسه.
كما أن اختيار القاهرة لاحتضان هذا الحدث لم يكن عاملا محايدا، إذ عزز منسوب الانضباط الدبلوماسي داخل المنتدى. فمصر، التي تؤكد باستمرار على احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، حرصت على عدم تحويل اللقاء إلى منصة لخدمة أجندات ضيقة، ما عمق عزلة الطرح الانفصالي الذي تدافع عنه الجزائر.
ويؤشر هذا التطور إلى أن النظام الجزائري، الذي يسوق لنفسه كفاعل مركزي في القارة الإفريقية، بات يواجه واقعا دبلوماسيا مغايرا، حيث لم يعد دعم الحلفاء التقليديين مضمونا، ولا فرض الكيانات غير المعترف بها داخل المنتديات الدولية ممكنا كما في السابق.
الأهم في هذا السياق هو ما يعكسه من تحول دولي متسارع نحو المقاربات الواقعية في معالجة نزاع الصحراء المغربية، مع تزايد الدعم للحلول السياسية المتوافق عليها أمميا، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهو ما يضع الأطروحة الانفصالية، ومن يقف خلفها، أمام مأزق استراتيجي حقيقي، في عالم بات يقيس الشراكات بميزان الاستقرار والجدوى، لا بمنطق الشعارات والاصطفافات الإيديولوجية.












