إدخال الذكاء الاصطناعي لمراقبة الصفقات العمومية بالمغرب

محرر مقالات7 سبتمبر 2026
إدخال الذكاء الاصطناعي لمراقبة الصفقات العمومية بالمغرب

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

تستعد أجهزة الرقابة المالية بالمغرب لاختبار توظيف الذكاء الاصطناعي في فحص الصفقات العمومية، عبر مشروع يروم استخدام الخوارزميات لتحليل العقود ودفاتر التحملات ومحاضر اللجان، ورصد مؤشرات قد تكشف حالات عدم المطابقة أو شروطا من شأنها الحد من المنافسة.

 

ويهم المشروع المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، ويجري تطويره بشراكة مع البنك الدولي، فيما يوجد حاليا في مرحلة البحث عن نموذج أولي للحل التقني المقترح، مع تحديد 10 شتنبر الجاري آخر أجل لتلقي مقترحات الشركات المرشحة لتطويره.

 

يستهدف المشروع توسيع نطاق الفحص الرقابي، من الاعتماد على عينات محددة من الملفات إلى إمكانية إخضاع مجموع الصفقات الداخلة ضمن مهمة رقابية معينة لتحليل أولي، قبل توجيه التدقيق البشري نحو الحالات التي تظهر فيها مؤشرات تستوجب مزيدا من التحقق.

 

تقوم الفكرة على استغلال البيانات المتاحة عبر بوابة الصفقات العمومية وربطها بالوثائق المصاحبة لكل مسطرة، بما فيها دفاتر التحملات ومحاضر فتح الأظرفة وتقييم العروض وشبكات التنقيط.

 

سيمكن هذا الربط النظام من تنفيذ اختبارات متزامنة على عدد كبير من الملفات، ومقارنة المعلومات الرقمية بالمضامين الواردة في الوثائق الأصلية، ثم ترتيب الصفقات التي تظهر بشأنها مؤشرات غير عادية أو تباينات تستحق المراجعة.

 

يمكن للأداة على سبيل المثال مقارنة تاريخ الإعلان عن الصفقة بالمدة الممنوحة لتقديم العروض، أو التحقق من مدى انسجام شروط دفتر التحملات مع طريقة تقييم المتنافسين، أو تتبع معيار معين من مرحلة الإعلان عنه إلى كيفية تطبيقه داخل محاضر اللجان.

 

يراهن المشروع على تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الرقابة التقليدية، والمتمثل في العدد الكبير للصفقات والوثائق المرتبطة بها.

 

فبدلا من حصر التدقيق التفصيلي منذ البداية في عينة محدودة، يمكن للنظام المقترح إجراء فحص أولي لجميع العقود الواقعة ضمن نطاق المهمة الرقابية، ثم إبراز الملفات التي تحتاج إلى تدخل أعمق من قضاة الحسابات.

 

ومن شأن هذا التصور تسريع المرحلة الأولى من الفحص وتوسيع نطاقها، مع تركيز الجهد البشري على الملفات التي تكشف بشأنها الخوارزميات عناصر غير معتادة أو اختلافات بين المعطيات الرقمية والوثائق الأصلية.

 

يمنح المشروع أهمية خاصة لتحليل دفاتر التحملات، من خلال البحث عن مؤشرات قد ترتبط بشروط تحد من المنافسة أو تمنح أفضلية غير مبررة لبعض المتعهدين.

 

وتشمل مجالات الفحص معايير يحتمل أن تكون تمييزية، أو مواصفات قد تبدو منحازة، أو آجال إشهار تستوجب المراجعة، إلى جانب تحليل شبكات التنقيط ومحاضر فتح الأظرفة وتقييم العروض.

 

غير أن رصد مثل هذه المؤشرات لن يعني تلقائيا وجود مخالفة، إذ قد تفرض طبيعة بعض الصفقات شروطا تقنية دقيقة ومبررة.

 

لهذا سيقتصر دور النظام على إطلاق تنبيه يدعو إلى التدقيق، دون إصدار حكم آلي بشأن قانونية الشرط أو المسطرة.

 

ومن بين الشروط الأساسية التي يقوم عليها المشروع إلزام النظام بتفسير كل تنبيه يصدره من خلال إظهار المعطيات أو الوثائق التي استند إليها.

 

فإذا رصدت الخوارزمية مثلا معيارا يحتاج إلى المراجعة، يفترض أن توجه القاضي مباشرة إلى الفقرة أو الوثيقة التي بني عليها التنبيه، حتى يتمكن من العودة إلى المصدر الأصلي والتحقق من السياق.

 

يكتسي هذا الشرط أهمية خاصة في مجال الرقابة المالية والقانونية، حيث لا تكفي نتيجة حسابية مجردة لترتيب ملاحظة أو استخلاص نتيجة، بل يتطلب الأمر الرجوع إلى الوثائق وفهم سياق المسطرة والتحقق من الوقائع.

 

يقدم المشروع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة لقضاة الحسابات وليس بديلا عن اختصاصاتهم. فالخوارزمية قد تشير إلى مدة إشهار تحتاج إلى المراجعة، أو إلى معيار في دفتر تحملات يستوجب التدقيق، أو إلى اختلاف بين قاعدة معلنة وطريقة تطبيقها، لكن تحديد وجود مخالفة قانونية أو مبرر تقني يظل من اختصاص القاضي.

 

ستقاس فعالية النموذج في هذا السياق ليس فقط بقدرته على تحليل عدد كبير من الملفات، وإنما أيضا بدقة التنبيهات التي يقدمها وقدرته على تجنب إغراق فرق الرقابة في إشارات لا تقود إلى نتائج ذات قيمة.

 

كما ستظل جودة المخرجات مرتبطة بسلامة البيانات واكتمال الوثائق التي تغذي النظام، لأن أي نقص أو خطأ في المعلومات الأصلية قد يؤثر في نتائج التحليل.

 

لا يزال المشروع في مرحلة تطوير نموذج أولي ما يجعل الحديث عن تعميم هذه الأدوات سابقا لأوانه، غير أن المبادرة تكشف توجها نحو إدخال الذكاء الاصطناعي إلى أحد أكثر مجالات الرقابة اعتمادا على البيانات والوثائق، وفق قاعدة واضحة: الخوارزمية تبحث وتقارن وتنبه، بينما يبقى التحقق والحكم النهائي بيد قضاة الحسابات.

الاخبار العاجلة