العيون الآن
حمزة وتاسو / العيون.
يعيش المغرب لحظة كروية استثنائية مع بلوغ المنتخب الوطني “أسود الأطلس”، نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 أمام منتخب السنغال، في إنجاز يعيد الكرة المغربية إلى المشهد الختامي للبطولة القارية بعد غياب دام 22 سنة، هذا التأهل الذي تحقق في واحدة من أكثر نسخ “الكان” تنافسية، لا يقرأ فقط كنجاح رياضي آني، بل كتتويج لمسار وطني طويل الأمد قادته رؤية ملكية استراتيجية جعلت من الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، رافعة للتنمية الشاملة وأداة لتعزيز الحضور الدولي للمملكة.

تؤكد معطيات ودراسات مغربية متخصصة أن بلوغ المنتخب الوطني نهائي البطولة القارية لم يكن مفاجأة رياضية بقدر ما كان نتيجة منطقية لمسار إصلاحي متدرج، فقد شددت هذه الدراسات على أن “انتصار المنتخب الوطني هو تتويج لمسار رياضي وطني متطور، وثمرة لجهود ملكية متبصرة استثمرت في البنية والتكوين والإنسان”.

ويأتي هذا الإنجاز امتدادا لسلسلة من المحطات التاريخية التي بصمت العقد الأخير، أبرزها بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022، وفوز منتخب الشباب أقل من 20 سنة بكأس العالم 2025، ما رسخ صورة المغرب كقوة كروية صاعدة بثبات في المشهدين القاري والدولي.

لم تقتصر النسخة الحالية من كأس أمم إفريقيا على التنافس داخل المستطيل الأخضر، بل شكلت واجهة تنظيمية متكاملة للمملكة، فقد دشنت البطولة بحفل افتتاح وصف بأنه عالمي المستوى، عكس قدرة المغرب على الجمع بين الإبداع الفني والدقة التنظيمية.
وفي هذا السياق أشاد الأمين العام للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالجهود المغربية، معتبرا أن المملكة “وضعت معيارا عالميا جديدا” في استضافة التظاهرات القارية، كما عبر عدد من الصحفيين الأفارقة المشاركين في تغطية البطولة عن إعجابهم بالبنى التحتية الحديثة وجودة الملاعب والمرافق، معتبرين أن المغرب قدم “نموذجا راقيا في التنظيم والاحترافية، يعكس صورة بلد منفتح ومتطور، ملكا وشعبا”.

تعود جذور هذا التحول النوعي إلى سنة 2009، حين أطلق الملك محمد السادس مشروعا وطنيا استراتيجيا لتطوير كرة القدم، شمل تحديث البنية التحتية ورعاية المواهب، بكلفة قدرت بنحو 65 مليون دولار، وفي تلك المرحلة، أكد جلالة الملك أن “كرة القدم في المغرب هي تقريبا كل شيء”، في إشارة واضحة إلى الموقع المركزي الذي ينبغي أن تحظى به الرياضة في السياسات العمومية.

وفي إطار هذه الرؤية أسست أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، كنموذج فريد للاستثمار الشامل في الناشئة، حيث تجمع بين التكوين الرياضي، والتعليم الأكاديمي، والرعاية الصحية، والإقامة المتكاملة، بما يرسخ مقاربة تنموية تعتبر اللاعب مشروع إنسان قبل أن يكون مشروع بطل.
وبالتوازي مع ذلك تم تعميم ملاعب القرب والتدريب في مختلف جهات المملكة، إذ جرى إنشاء أكثر من 7000 ملعب قروي، في خطوة هدفت إلى توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، وضمان عدالة مجالية في اكتشاف المواهب وصقلها.
لم يقتصر الاهتمام الملكي على الكم، بل شمل جوهر المنظومة الكروية، من خلال تحسين جودة التكوين وتعزيز الحوكمة. ففي خطاب جلالة الملك خلال المؤتمر الدولي لكرة القدم الإفريقية سنة 2017، دعا إلى “تحسين جودة التكوين، وتطوير البنى التحتية، وتوفير متطلبات ولوج عالم الاحتراف”، واضعا بذلك أسس إصلاح قاري يبدأ من المدرسة الكروية وينتهي بالاحتراف العالمي.
وقد أثمرت هذه التوجيهات نتائج ملموسة، إذ تخرج من الأكاديمية الملكية عدد من الركائز الأساسية للمنتخب الوطني الحالي، من بينهم عز الدين أوناحي، نايف أكرد، يوسف النصيري، إسماعيل ترغلين، وعبد الحق بودلال، الذين شكلوا العمود الفقري للفريق الوطني في المحافل الكبرى.
وتؤكد تقارير صحافية دولية أن الأكاديمية “لم تنشأ بدافع الحاجة فقط، بل جاءت من رؤية ملكية استباقية تهدف إلى تحديث المنظومة الكروية وبناء جيل قادر على المنافسة عالميا”، وهو ما عززه تصريح رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، الذي اعتبر تدشين الأكاديمية سنة 2009 “نقطة تحول في تاريخ الكرة الوطنية”، ومفتاحا لاكتشاف جيل من اللاعبين القادرين على حصد الألقاب القارية والعالمية.
امتدت آثار هذا التحول الرياضي إلى الجانبين الاجتماعي والإعلامي، فقد شهدت الملاعب المغربية تجهيزات إعلامية متطورة، شملت غرف بث واستوديوهات حديثة، مكنت من تغطية احترافية عالية المستوى للمنافسات القارية.
ورصد صحفيون أفارقة مشاركون في البطولة عنصرين بارزين: بنية تحتية متقدمة تضمن “شروط عمل مهنية مريحة”، وجودة خدمات لوجستية وسلاسة في التنقل، وهي مؤشرات اعتبرت دليلا على نضج التجربة التنظيمية المغربية، كما حظيت تجربة الجماهير بعناية خاصة، عبر خدمات راقية واستثمارات تقنية حديثة، عززت صورة المغرب كوجهة مفضلة لاحتضان التظاهرات الرياضية الكبرى.
يؤكد التأهل التاريخي لـ“أسود الأطلس” إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 أن ما يعيشه المغرب اليوم ليس لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمية لسنوات من العمل المؤسسي تحت قيادة ملكية جعلت من الرياضة رافدا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وأداة للإدماج الاجتماعي وبناء الرأسمال البشري.
وفي هذا السياق يرى رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن “الطفرة الرياضية التي يعرفها المغرب هي نتيجة رؤية استراتيجية محكمة لجلالة الملك، الذي جعل من الرياضة رافدا للهيكلة الاجتماعية والإدماج الاجتماعي لمختلف الشباب المغاربة”.
وبينما يستعد المنتخب الوطني لخوض نهائي الحلم أمام السنغال، تبدو الرسالة أوضح من أي وقت مضى: كرة القدم المغربية اليوم ليست مجرد نتائج، بل تعبير حي عن رؤية دولة استثمرت في الإنسان، وبنت مشروعا رياضيا متكاملا، جعل من “أسود الأطلس” عنوانا لقوة مغربية ناعمة آخذة في الترسخ إقليميا ودوليا.











