العيون الآن.
يوسف بوصولة
لم تعد المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من ولوج مباشر إلى المحيط الأطلسي مجرد تصور تنموي، بل أضحت مشروعا جيواستراتيجيا متكاملا يعيد تعريف منطق التعاون الإفريقي جنوب جنوب، كما برز ذلك خلال الندوة التي نظمتها سفارة المغرب في النيجر، يوم الجمعة بنيامي، بشراكة مع المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية والأمنية.

الندوة التي انعقدت تحت شعار «المشروع الملكي الرامي إلى تسهيل ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي: رهانات استراتيجية ولوجستية من أجل إفريقيا مندمجة»، شكلت منصة سياسية وفكرية لإبراز التحول الذي تقترحه الرباط في التعاطي مع منطقة الساحل، من مقاربة اختزلتها طويلا في البعد الأمني، إلى رؤية تنموية شمولية تجعل من الولوج إلى البحر مدخلا للاستقرار والنمو.
وفي هذا السياق اعتبر مسؤول دبلوماسي نيجري أن المبادرة تمثل استجابة عملية لإكراهات بنيوية تعانيها دول الساحل غير المطلة على البحار، وعلى رأسها ارتفاع كلفة النقل، هشاشة سلاسل التوريد، وضعف الاندماج في الأسواق الدولية، مؤكدا أن الأمن والتنمية يشكلان معادلة واحدة لا يمكن فصل عناصرها.

ويعكس هذا الموقف تقاطع المبادرة الملكية مع التوجهات الجديدة التي تتبناها دول الساحل، خاصة في إطار كونفدرالية دول الساحل، التي تسعى إلى بناء سيادة اقتصادية حقيقية، بعيدا عن نماذج الاعتماد على المساعدات الخارجية، وهو ما يمنح المشروع المغربي بعدا سياديا يتجاوز الطابع اللوجستي الصرف.

من جهته شدد ممثل الدبلوماسية المغربية في نيامي على أن الرؤية الإفريقية للمملكة تحت قيادة الملك محمد السادس، تقوم على التضامن العملي لا الخطابي، وعلى تثمين الإمكانات الإفريقية عبر الربط والاندماج، لا عبر العزل والتجزئة. وأبرز أن المبادرة الملكية تقترح قراءة جديدة لمنطقة الساحل باعتبارها فضاء اقتصاديا واعدا، إذا ما توفرت له شروط الانفتاح والبنية التحتية.
تكتسي المبادرة الملكية الأطلسية أهمية خاصة في السياق الجيوسياسي الراهن، حيث تتزايد حدة التنافس الدولي على الممرات التجارية واللوجستية، وتبحث الدول الإفريقية عن بدائل سيادية تقلص من تبعيتها للمسارات التقليدية التي ظلت خاضعة لحسابات خارجية. وفي هذا الإطار، يقدم المغرب نفسه كفاعل إفريقي قادر على توفير بنية تحتية موثوقة، ومستقرة سياسيا، ومندمجة في سلاسل التجارة العالمية.
وتعزز هذه الرؤية المعطيات التقنية التي جرى عرضها خلال الندوة، خاصة تلك المرتبطة بدور الموانئ المغربية الكبرى، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، الذي يعد بوابة محورية للتجارة الإفريقية مع العالم، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي المرتقب، والذي ينتظر أن يشكل رافعة استراتيجية لربط عمق الساحل الإفريقي بالمحيط الأطلسي.
كما أبرزت المداخلات أن المشروع لا يقتصر على إنشاء ممر بحري، بل يؤسس لمنظومة متكاملة تشمل النقل الطرقي والسككي، والطاقة، والأمن اللوجستي، بما يسمح بتحويل الاقتصادات غير الساحلية إلى اقتصادات منفتحة ومتصلة بسلاسل القيمة العالمية، مع ما يحمله ذلك من آثار مباشرة على التشغيل، والأمن الغذائي، والتنمية المستدامة.
ويعكس انعقاد هذه الندوة في نيامي، بمشاركة دبلوماسيين وخبراء ومسؤولين حكوميين، حجم التفاعل الإقليمي مع المبادرة الملكية، التي دخلت بالفعل مرحلة التفعيل عبر اجتماعات وزارية متتالية منذ 2023، ما يؤشر على انتقالها من مستوى الرؤية إلى مستوى التنفيذ.
في المحصلة تبرز المبادرة الملكية الأطلسية كأحد أكثر المشاريع الإفريقية طموحا في العقد الأخير، ليس فقط لأنها تقترح حلا عمليا لإشكالية جغرافية مزمنة، بل لأنها تعيد صياغة مفهوم التكامل الإفريقي على أسس السيادة، والربح المشترك، والتنمية المندمجة، في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ ومسارات التجارة العالمية.











