العيون الآن.
“شكراً..” هكذا كان رد السيدة نادية بوعيدة، عندما رفض مواطن في الشارع العام، تسلم ورقة إنتخابية تضم برنامجها الانتخابي أثناء حملتها الدعائية بكلميم، الذي ربما طبيعة عمله لا تسمح له بالتحدث إلى أي طيف سياسي…
صورة من صور الديمقراطية، التي يبدو أن البعض لم يتعود عليها بعد ، إلى درجة أن مشهداً عادياً خلال حملة انتخابية تحول على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة دسمة حاول البعض بشكل مُلتو، تقديمها و كأنها حدث استثنائي أو إحراج سياسي.
الفيديو المتداول يُظهر المرشحة نادية بوعيدا خلال جولتها و هي تقدم ورقة خاصة بحملتها لأحد المواطنين، قبل أن يرفض الأخير تسلمها و يرجعها لها، و هو ما تقبلته بوعيدا، برحابة صدر و ابتسامة و واصلت جولتها.
السؤال.. أين المشكل؟
نحن أمام مرشحة تقوم بحملتها الانتخابية، تتواصل مع المواطنين و تقدم برنامجها، و في الآن نفسه أمام مواطن حر في أن يقبل أو يرفض تسلم الورقة، و أن يقتنع بالحزب وبرنامجه وحصيلته أو ألا يقتنع، بل من حقه أيضاً أن يختار مرشحاً أو حزباً آخر.. هكذا هي الديمقراطية في أبسط تجلياتها.
الانتخابات ليست مشهداً معداً سلفاً حتى يظهر فيه الجميع و هم يبتسمون للمرشح و يقبلون أوراقه ويعلنون تأييدهم له.. و الحملة الحقيقية ليست تلك التي تقدم للناس صورة مثالية لا وجود فيها للاختلاف أو الاعتراض، أو الرفض…
على العكس، فالفاعل السياسي الناضج يجب أن يكون على استعداد دوماً لتقبل أي موقف أو واقعة و التعامل معها بما يتناسب.. و ما يحسب لنادية بوعيدا في الفيديو الذي تم اجتزاءه على المقاس أنها لم تدخل في نقاش مع المواطن، و لم تبد انزعاجاً من موقفه، و لم تحاول فرض ورقة برنامجها عليه، بل اختارت كلمة “شكرا” مرفوقة بابتسامة و واصلت حملتها.
فالمواطن الذي لا يقتنع بحزب ما، أو بعمله من حقه ألا يصوت له، مثلما يحق لمن اقتنع به أن يمنحه صوته.. و المرشح الذي يؤمن بأن الديمقراطية لها تجليات متعددة، هو الذي يحترم الاثنين معاً.
المثير للاستغراب ليس ما وقع في الفيديو، وإنما الطريقة التي جرى بها تداوله من طرف بعض خصوم بوعيدة في كلميم، في محاولة مقصودة لتحويل تصرف طبيعي إلى “مشكلة” أو دليل على رفض شعبي.
و كأن المطلوب من أي مرشح أن ينشر فقط صور المواطنين الذين يستقبلونه بالترحاب، و الحفاوة، و أن تختفي من المشهد كل الآراء المختلفة و اللقطات التي قد تقض مضجع من هو هش داخليا، و يخشى الرفض.. بل ربما تكشف هذه المحاولة تحديداً مشكلة أعمق: هل تعودنا فعلاً على الديمقراطية و قبول الاختلاف؟
بعض المرشحين يحرصون خلال الحملات الانتخابية على تقديم صورة مثالية: الجميع معهم، الجميع يصفق لهم، و لا وجود لمواطن يعارضهم أو يرفض خطابهم… لكن الواقع مختلف…
في الشارع يوجد المؤيد والمعارض و المتردد و غير المهتم، و على المرشح أن يكون مستعداً للتواصل مع الجميع و احترام الجميع، و السعي بصدق للإقناع و أيضا الإنصات و تحمل اللوم و العتاب…
لذلك، قد يكون الفيديو الذي حاول البعض استعماله ضد نادية بوعيدا قد قدم، دون قصد، صورة مختلفة تماماً: مواطن يقول “لا” بطريقته، و مرشحة تتقبل هذه الـ”لا” بابتسامة و سعة صدر..
وهذا في حد ذاته درس بسيط لكنه بليغ جداً في الديمقراطية: من حق المرشح أن يحاول إقناع المواطن، ومن حق المواطن ألا يقتنع، و من واجب الجميع احترام الاختيار.
في اعتى الديمقراطيات، نرى مسؤولين، رؤساء، منتخبين … يتعرضون للنقد اللاذع، للاحراج، للتهجم، بل أن مثل هذه الأحداث في الغالب قد تكون مقصودة، خدمة لاجندات محددة سلفا، لكن الديمقراطية الحقة، و القُوة، تكمُن في طبيعة الرد، و القدرة على التعامل مع أي موقف بهدوء و رزانة و تقبل… و هكذا فعلت نادية…




