العيون الآن.
يثير جدلا واسعا حول حرية التحليل والمساءلة القانونية
اثار الاختفاء الغامض للخبير الاقتصادي الجزائري جلول سلامة مباشرة بعد تصريحات اعلامية شكك فيها بالارقام والمعطيات التقنية في الجدوى الاقتصادية لمشروع استغلال منجم غار جبيلات موجة واسعة من الجدل داخل الجزائر وخارجها وسط اتهامات غير رسمية للسلطات بتوقيفه خارج اطار القانون بسبب ارائه المهنية.
وبحسب معطيات متداولة في اوساط معارضة وحقوقية جزائرية فان سلامة وهو مهندس ودكتور في الاقتصاد وخبير في التسيير المالي اختفى عن الانظار منذ ايام دون صدور اي بلاغ رسمي يوضح وضعيته القانونية او الجهة التي اوقفته قبل ان تتواتر معلومات تفيد بوضعه رهن الحراسة النظرية لدى احدى فرق الدرك الوطني بالعاصمة الجزائر في غياب مذكرة توقيف معلنة او اشعار لعائلته او محاميه وهو ما عمق حالة القلق في الاوساط الاكاديمية والاعلامية في ظل صمت رسمي تام.
ويعرف جلول سلامة بكونه خبيرا تقنيا غير منخرط في اي نشاط سياسي او حزبي وسبق له الظهور بشكل متكرر في وسائل الاعلام العمومية والخاصة لتحليل السياسات الاقتصادية والمالية للدولة الجزائرية وخلال مداخلته الاخيرة لم يطعن في مشروعية مشروع غار جبيلات من حيث المبدأ بل قدم قراءة نقدية تركز على اكراهاته البنيوية مبرزا ارتفاع كلفة النقل بسبب البعد الجغرافي للمنجم عن الموانئ وضعف البنية التحتية اللوجستية وضخامة الاستثمارات المطلوبة معتبرا ان تحقيق الربحية لن يكون ممكنا الا على المدى البعيد جدا وربما في افق سنة 2050 وهو تحليل ينسجم مع الادبيات المعروفة في الاقتصاد المنجمي.
كما شدد سلامة على اولوية التصنيع المحلي لخام الحديد داخل الجزائر بدل تصديره في حالته الخام خصوصا في ظل ارتفاع نسبة الفوسفور فيه لما لذلك من اثر مباشر على خلق القيمة المضافة وتعزيز السيادة الصناعية وهي اطروحة تتقاطع نظريا مع الخطاب الرسمي الجزائري حول السيادة الاقتصادية غير ان هذا التحليل التقني البحت بحسب متابعين قوبل برد فعل سلطوي يوحي بان المشروع بات خارج دائرة النقاش العمومي ودخل نطاق المحظور السياسي.
وياتي هذا الجدل الداخلي بالتزامن مع توتر اقليمي متجدد بين المغرب والجزائر حيث اعاد اعلان الجزائر الشروع في استغلال المنجم بشكل احادي وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركاء اجانب من بينهم تركيا والصين فتح النقاش في المغرب حول الاطار القانوني المنظم للمنجم ومدى احترام الجزائر لالتزاماتها السابقة.
ورغم حساسية الملف لم تتجه الرباط نحو تصعيد قانوني فوري او تحريك دعاوى دولية لوقف القرار الجزائري وهو ما فسره مراقبون باعتماد المغرب جزئيا على نفس القراءة الاقتصادية التي قدمها الخبير الجزائري والتي تبرز محدودية العائد الاقتصادي للاستغلال الاحادي ما يجعل الكلفة السياسية والقانونية للتصعيد غير ذات جدوى انية.
ويذكر ان منجم غار جبيلات كان موضوع معاهدة تعاون موقعة بين المغرب والجزائر بتاريخ 15 يونيو 1972 بالتزامن مع معاهدة ترسيم الحدود ونصت على انشاء شركة مغربية جزائرية مشتركة لتطوير المنجم ونقل وتسويق حوالي 700 مليون طن من خام الحديد، في اطار ترتيب اقتصادي يقوم على صعوبة نقل الخام لمسافة تتجاوز 1300 كيلومتر نحو موانئ المتوسط مقابل القرب الجغرافي للموانئ الاطلسية المغربية.
ورغم مصادقة الجزائر على المعاهدتين ونشرهما في الجريدة الرسمية سنة 1973 فان الشركة المشتركة لم تر النور وظل تفعيل الاتفاق معلقا لعقود بسبب تقلب العلاقات السياسية بين البلدين ومع ذلك يرى خبراء قانونيون ان الاتفاق يظل قائما من الناحية القانونية ولا يسقط بالتقادم ما لم يتم الغاؤه او تعديله باتفاق صريح بين الطرفين وهو ما يجعل الاستغلال الجزائري الاحادي للمنجم محل نقاش قانوني وسياسي مشروع.











