صحافة تتنفس بالدعم العمومي الشهري للأجور، وأخرى تختنق بانتظار حقوقها.. فمن المسؤول؟

مدير الموقع2 يونيو 2026
صحافة تتنفس بالدعم العمومي الشهري للأجور، وأخرى تختنق بانتظار حقوقها.. فمن المسؤول؟

العيون الآن

لم يعد ممكنا الاستمرار في تزيين الواقع أو الاختباء خلف البلاغات والوعود واللقاءات البروتوكولية. فالحقيقة التي يعرفها الجميع داخل قطاع الصحافة والنشر هي أن الدعم العمومي تحول إلى دعم الاجور ومنه الى العنوان الأكبر من حالة احتقان مهني واجتماعي تعيشها المقاولات الإعلامية المغربية منذ سنوات. فبعد صدور القرار الوزاري رقم 3195.24 بتاريخ 19 دجنبر 2024، المحدد للوثائق المكونة لملف طلب الدعم العمومي لقطاعات الصحافة والنشر والطباعة والتوزيع، سارعت عشرات المقاولات الإعلامية إلى استكمال وإيداع ملفاتها وفق الشروط والمساطر المطلوبة. غير أن هذه المقاولات ما تزال إلى اليوم تنتظر الإفراج عن الدعم الموعود، في وقت تتراكم فيه الديون وتتضاعف الالتزامات المالية والاجتماعية، بينما تزداد أوضاع الصحفيين والعاملين هشاشة يوما بعد يوم.

غير أن الأخطر من تأخر الدعم نفسه هو وجود فئة لم تعد تشعر بهذا القلق أصلا، لكونها تستفيد منذ سنوات من دعم الأجور الذي اصبح دعم عمومي شهري بشكل منتظم مع التوقيع عليه صرفه من ثلاثة أشهر الى اخرى. هذه الفئة لا تعرف معنى أن يستيقظ مدير نشر وهو يفكر في كيفية أداء أجور صحفييه أو تسديد مستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو مواجهة التزامات الكراء والطباعة والتسيير. علاوة على ذلك، أصبحت تتحدث باسم القطاع بأكمله، بينما تراقب بصمت معاناة مؤسسات إعلامية أخرى تكافح يوميا من أجل البقاء.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا يستمر هذا الوضع المختل؟ وكيف تحولت أموال عمومية رصدت لدعم القطاع إلى أداة تكرس الفوارق داخله والتمييز المحالي؟ فالمفترض أن يستفيد جميع المستحقين وفق معايير واضحة ومنصفة. غير أن الواقع يكشف وجود مقاولات تتوصل بالدعم بشكل مستمر مع تأخر الأيام معدودات في بعض الاحيان، فيما توجد أخرى استوفت الشروط القانونية كاملة لكنها لا تحصد سوى الانتظار والتأجيل وعود الوزير الفارغة.

وبتعبير أدق، أصبح القطاع منقسما إلى عالمين مختلفين تماما: عالم أول يعيش حالة من الاستقرار المالي بفضل الدعم العمومي الشهري المخصص للأجور، وعالم ثان يواجه يوميا شبح الإفلاس وتحديات الاستمرار. ففي الوقت الذي تنشغل فيه بعض المؤسسات بالنقاشات المرتبطة بالتنظيم الذاتي، وعقد الندوات والمؤتمرات، وترويج بعض المعطيات والوثائق لخدمة أجندات ضيقة، في محاولة لكسب المزيد من الوقت واعتماد سياسة الهروب إلى الأمام، والعمل على إفشال كل صوت يطالب بحقه المشروع عبر نشر المغالطات والإشاعات وتقديمها للرأي العام وكأنها إنجازات وحلول مستقبلية لمشاكل الصحافة، فإن الحقيقة ستتكشف مع التطبيق الفعلي للإجراءات والالتزامات المعلنة، والتي لا تبدو في نظر كثيرين سوى سراب يهدف إلى الإبقاء على المستفيدين من الدعم العمومي الشهري===} مفهوم ترسخ عندهم انه دعم الاجور) في دائرة الراحة والاطمئنان. أما العالم الثاني، فقد تجاوز صبره سنوات طويلة من الانتظار، بعدما فرضت عليه معركة البقاء من مختلف الجهات، ولم يترك له أي خيار سوى مواصلة الدفاع عن حقه المشروع في الإنصاف والعدالة المجالية، وصون كرامة الصحافة المغربية في كبرى حواضر الصحراء المغربية، مدينة العيون، وفي مختلف جهات المملكة التي تعاني مقاولاتها الإعلامية من تبعات سياسات الإقصاء والتهميش الممنهج، وما يترتب عنها من اختلالات تمس مبدأ تكافؤ الفرص والحق في التنمية الإعلامية المتوازنة.

 

أما الضحايا الحقيقيون لهذه الاختلالات فهم الصحفيون والعاملون داخل المقاولات المتضررة. إذ إنهم تحملوا سنوات طويلة من الانتظار والصبر، على أمل أن تنصفهم السياسات العمومية الموجهة للقطاع. لكن الواقع كان مختلفا، حيث أصبحت الأجور تتأخر أو تتوقف وهذا بالنسبة للمقاولات التي تستفيد من الدعم العمومي الشهري، وأضحت التغطية الاجتماعية مهددة، ناهيك عن الضغوط النفسية والاجتماعية التي تعيشها الأسر المرتبطة بهذه المؤسسات الإعلامية.

ومع ذلك، لا يزال البعض يصر على تقديم الوعود نفسها في كل مناسبة. فكلما ارتفعت أصوات المطالبين بحقوقهم، ظهرت تسريبات جديدة أو مواعيد جديدة أو تبريرات جديدة. ويقصد بذلك عمليا ربح مزيد من الوقت، دون تقديم أجوبة واضحة أو قرارات حاسمة تنهي هذا الملف الذي طال أمده أكثر مما ينبغي.

ومن جهة أخرى، فإن الدفاع عن الحق في الدعم العمومي فهو دفاع مشروع عن استمرارية مؤسسات إعلامية تشغل صحفيين وتقنيين وإداريين وتعيل عشرات الأسر وليس ضغط على اي جهة معينة كانت . كما أن المطالبة بالعدالة في توزيع المال العام لا ينبغي أن تزعج أحدا، لأنها في جوهرها مطالبة بتكافؤ الفرص واحترام مبدأ المساواة بين جميع الفاعلين في القطاع.

وعليه، فإن المرحلة الحالية تفرض قدرا كبيرا من الوضوح والمسؤولية. فإما أن يكون الدعم العمومي حقا متاحا لجميع المستحقين وفق معايير شفافة وعادلة، وإما أن يتم الإقرار صراحة بوجود صحافة محظوظة وصحافة منسية لن تسكت على. الوضع . أما الاستمرار في المنطقة الرمادية الحالية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإضعاف ما تبقى من مقاولات إعلامية تؤدي أدوارا وطنية ومهنية مهمة رغم كل الصعوبات.

واستخلاصا لما سبق إن السنوات الأخيرة من المعاناة تطرح أسئلة مشروعة حول مآل عدد من الأوراش التي انتظرها المهنيون طويلا. فإلى حدود اليوم لم يخرج الدعم العمومي المنتظر إلى حيز الوجود بالنسبة لعدد من المقاولات المستحقة، كما أن مشروع التنظيم الذاتي للمهنة ما يزال بدوره عالقا في نسخته الثانية دون تنزيل فعلي يجيب عن تطلعات المهنيين. وبالتالي، يبقى الصحفيون والمقاولات الإعلامية وحدهم من يتحملون كلفة هذا التأخير، بينما يزداد الاحتقان وتتعمق الأزمة داخل قطاع يفترض أن يكون أحد أعمدة الديمقراطية والتنمية والتعددية الإعلامية.

الاخبار العاجلة