العيون الآن.
محمد القرشي / العيون.
لم يكن أحمد فال ولد عبد الله اسما عابرا في حياتي، بل كان قدرا كريمًا، وظلا وارفا، ويدا امتدت لتصنع إنسانا قبل أن تصنع طريقا. رحل الجسد، وبقي الأثر حيًّا في تفاصيل الروح، في نبرة الصوت حين أنطق بالحق، وفي ملامح الصبر التي تعلمتها منه دون درسٍ أو وصية.
هو الذي رباني حين كانت الطفولة تحتاج صدرا يتسع للعثرات، وقلبا لا يملّ من العطاء. رباني بالفعل قبل القول، وبالقدوة قبل النصيحة. علّمني أن الرجولة موقف، وأن الكرامة لا تُجزأ، وأن الإنسان يُقاس بما يقدمه لا بما يملكه.
كان رجلًا إذا حضر حضرت معه الهيبة، وإذا تكلّم أنصتت القلوب قبل الآذان. عاش بسيطا في مظهره، عظيمًا في جوهره، كريمًا في عطائه، ثابتًا في مبادئه. لم أعرفه يومًا متخاذلا، ولا رأيته يساوم على الحق، فقد كان يؤمن أن الصدق عبادة، وأن الوقوف مع المظلوم شرف لا يشترى.
رباني على حب الوطن، وعلى الإيمان بأن الحرية مسؤولية، وأن التضحية ليست شعارا بل سلوك حياة. كان ذاكرة مقاومة، وحكاية صبر، وسيرة رجل عرف السجن ابان الاستعمار الفرنسي ولم تنكسر روحه، وذاق القهر ولم يساوم على كرامته.
خرج من المحن أصلب عودا، وأكثر رحمة، وأعمق حكمة، في كِبَري، حين صرت أمثّله في المجالس، أدركت حجم الإرث الذي تركه على كتفيّ: إرث القيم، ووزن الاسم، وأمانة السيرة. لم يكن ذلك عبئًا، بل شرفًا ومسؤولية. كنت أراه في نظرات الناس، وأسمعه في كلمات التقدير، فأزداد يقينًا أن الرجال لا يموتون حين يرحلون، بل حين تُنسى مبادئهم.
يا من ربّيتني من مهد الصبى، نم قرير العين… فالبذرة التي غرستها ما زالت تنمو، والدعاء الذي علّمتني إياه ما زال يرافقني، وطريق الحق الذي دللتني عليه ارجو ان لا أضيّعه. وداعًا يا أبي في المعنى، يا جدي في النسب، يا معلمي في الحياة. وداعًا أيها الرجل الذي علّمني كيف أكون إنسانا.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل مقامك في عليين، وجعل ذكراك نورا لا ينطفئ في قلبي ما حييت.











