حين يعجز النظام عن إقناع شعبه.. هل تكفي الدعاية لتعويض الشرعية؟

محرر مقالات12 يوليو 2026
حين يعجز النظام عن إقناع شعبه.. هل تكفي الدعاية لتعويض الشرعية؟

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

لا تكمن قوة الأنظمة السياسية في عدد المقاعد التي تحصدها ولا في البيانات الرسمية التي تعلن نتائج الانتخابات، وإنما في قدرتها على إقناع مواطنيها بالمشاركة في صناعة تلك النتائج. وعندما يعزف قرابة أربعة أخماس الناخبين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن فاز بل بمن خسر ثقة المواطنين.

 

الانتخابات التشريعية الأخيرة في الجزائر قدمت صورة تستحق التوقف عندها. فبحسب الأرقام الرسمية لم تتجاوز نسبة المشاركة 21.24 في المائة، وهي من بين أدنى النسب منذ استقلال البلاد. وهذه النسبة في حد ذاتها تعكس أزمة ثقة عميقة بين جزء واسع من المجتمع والمؤسسات السياسية، مهما كانت التفسيرات التي قدمتها السلطات.

 

ولم تتوقف الإشكالات عند ضعف الإقبال بل امتدت إلى ما بعد إعلان النتائج، بعدما فتحت السلطات القضائية تحقيقات في عدد من الولايات شملت توقيفات وإجراءات بحق مرشحين ومنظمين ومؤطرين للعملية الانتخابية، على خلفية شبهات تتعلق بسير الاقتراع ومحاضر الفرز، وذلك في ولايات الجلفة ووهران والبويرة. كما رافقت هذه التطورات طعون وشكاوى من أحزاب ومترشحين تحدثت عن خروقات تستوجب التحقيق.

 

وسواء انتهت هذه الملفات إلى الإدانة أو البراءة فإن مجرد اتساع رقعة التحقيقات لتشمل عشرات الأشخاص في عدة ولايات يطرح تساؤلات جدية حول سلامة العملية الانتخابية، ويؤكد أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالعزوف الشعبي، بل امتدت إلى مستوى الثقة في تدبير الاستحقاق الانتخابي نفسه.

 

غير أن اللافت في المشهد الجزائري هو المفارقة بين حجم هذه التطورات وبين طريقة تناولها إعلاميا. ففي الوقت الذي كانت فيه هذه القضايا تستحق نقاشا وطنيا واسعا حول أسباب العزوف والإصلاح السياسي وتعزيز نزاهة الانتخابات، استمر جزء من الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في تكريس مساحات واسعة لمهاجمة المغرب، وتحويله إلى محور دائم للنقاش، حتى في الفترات التي كانت البلاد تواجه فيها أسئلة داخلية أكثر إلحاحا.

 

والإعلام في التجارب الديمقراطية يؤدي وظيفة الرقابة على السلطة وكشف الاختلالات ومساءلة المؤسسات، لا تحويل الأنظار عنها. وعندما يصبح الانشغال بما يجري خارج الحدود أكبر من الاهتمام بما يحدث داخلها، يفقد الإعلام إحدى أهم وظائفه الأساسية، وهي خدمة الرأي العام عبر نقل الحقائق ومناقشة القضايا التي تمس المواطنين مباشرة.

 

ولا يتعلق الأمر بالمغرب وحده، بل بمنهجية سياسية تقوم كلما برزت أزمة داخلية، على إعادة توجيه النقاش نحو خصم خارجي. إنها آلية عرفتها تجارب عديدة عبر التاريخ، حيث يصبح “العدو” مادة جاهزة لتوحيد الخطاب العام، بينما تتراجع القضايا المرتبطة بالإصلاح والاقتصاد والحوكمة إلى الصفوف الخلفية.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز حدود الانتخابات الجزائرية: كيف يمكن لأي سلطة لم تستطع إقناع غالبية مواطنيها بالمشاركة في انتخاباتها أن تتوقع إقناع المجتمع الدولي بسلامة رؤيتها في القضايا الإقليمية؟ وكيف يمكن لدولة تواجه أزمة ثقة داخلية أن تراهن على كسب ثقة العواصم الكبرى والمؤسسات الدولية في ملفات تتطلب أعلى درجات المصداقية؟

 

فالشرعية الداخلية ليست شأنا منفصلا عن السياسة الخارجية، بل هي أحد أهم مصادر قوتها. وكلما ازدادت ثقة المواطن في مؤسساته، ازدادت قدرة تلك المؤسسات على الدفاع عن مواقفها خارجيا. أما عندما تتراجع هذه الثقة فإن صورة الدولة في الخارج تتأثر مهما بلغت كثافة الخطاب الدعائي.

 

إن بناء النفوذ الدولي لا يبدأ من الحملات الإعلامية، ولا من مهاجمة الجيران، بل من الداخل؛ من انتخابات تحظى بثقة المواطنين، ومؤسسات تتمتع بالمصداقية، وإعلام يراقب السلطة بدل أن ينشغل بصناعة الخصوم. فالدول التي تكسب احترام العالم هي قبل كل شيء الدول التي تنجح في كسب ثقة شعوبها.

الاخبار العاجلة