تعيين قائد جديد لـ«مينورسو» يفتح النقاش حول مستقبل البعثة قبيل تجديد ولايتها

محرر مقالات13 أغسطس 2026
تعيين قائد جديد لـ«مينورسو» يفتح النقاش حول مستقبل البعثة قبيل تجديد ولايتها

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة – العيون

 

أنهت الأمم المتحدة فترة الشغور التي طالت قيادة المكون العسكري لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو»، بتعيين اللواء الباكستاني جواد أحمد قائدا جديدا للقوات الأممية، خلفا للواء البنغلاديشي محمد فخرول أحسن الذي أنهى مهمته في الثاني من غشت الجاري.

 

يأتي تعيين المسؤول العسكري الباكستاني الذي سبق أن شغل منصب المدير العام بوزارة الدفاع الباكستانية، في ظرف بالغ الحساسية بالنسبة للبعثة إذ يتزامن مع اقتراب موعد عرض ولايتها أمام مجلس الأمن خلال أكتوبر المقبل، وسط نقاش متزايد حول مستقبلها، وطبيعة مهامها، وحجم مواردها ومدى ملاءمة طريقة اشتغالها للتحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة.

 

ولا يبدو تغيير القيادة العسكرية مجرد إجراء إداري داخل منظومة حفظ السلام الأممية، بالنظر إلى المرحلة التي تمر منها «مينورسو»، والتي تشهد في الوقت نفسه مراجعة لعدد من جوانب عملها سواء على المستوى اللوجستي أو البشري أو المالي.

 

يصل اللواء جواد أحمد إلى قيادة المكون العسكري في وقت تخضع فيه البعثة لضغوط مرتبطة بمواردها المالية وقدرتها على الحفاظ على مستوى حضورها الميداني، في ظل الأزمة التي تواجهها عمليات حفظ السلام الأممية بشكل عام بسبب تأخر الدول الأعضاء في أداء مساهماتها المالية.

 

وكان اللواء محمد فخرول أحسن قد تولى قيادة القوات في ماي 2023 خلفا لمواطنه اللواء محمد معين الله شودري الذي انتهت ولايته في مارس من السنة نفسها، لتستمر بذلك التقاليد المعتمدة داخل البعثة في إسناد قيادة مكونها العسكري إلى ضباط من دول آسيوية مشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

 

غير أن أهمية المرحلة الحالية لا ترتبط فقط بهوية القائد الجديد، وإنما بالسياق الذي سيباشر فيه مهمته، خصوصا أن «مينورسو» تواجه منذ فترة عملية إعادة تنظيم لعدد من خدماتها المساندة ومواردها البشرية واللوجستية.

 

خلال الفترة الأخيرة باشرت البعثة إجراءات تنظيمية شملت خدماتها اللوجستية والطبية، في إطار توجه يرمي إلى إعادة توزيع الموارد وترشيد النفقات التشغيلية.

 

ومن أبرز هذه الإجراءات تفكيك المركز الصحي التابع للبعثة، والاستغناء عن خدمات نحو 20 إطارا طبيا من أطباء وممرضين كانوا يقدمون خدماتهم داخل مقرات «مينورسو» وعدد من المواقع والثكنات التابعة لها.

 

تكشف هذه الإجراءات عن ضغوط تتجاوز الجانب الإداري، لتلامس قدرة البعثة على الحفاظ على منظومة الخدمات التي ظلت مرافقة لعمل مراقبيها العسكريين، خصوصا في بيئة ميدانية واسعة تتطلب موارد بشرية ولوجستية مستمرة.

 

كما تأتي هذه المراجعة في سياق أوسع تواجه فيه بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة صعوبات مالية متزايدة، نتيجة تراكم المتأخرات المستحقة على الدول الأعضاء وتأخر أداء المساهمات.

 

وكانت الصعوبات المالية التي تواجه «مينورسو» قد ظهرت بشكل واضح في الإحاطة التي قدمها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البعثة، ألكسندر إيفانكو أمام مجلس الأمن في أبريل 2025.

 

وأشار إيفانكو حينها إلى أن الوضع المالي للبعثة انعكس بشكل مباشر على قدراتها الميدانية، في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة تحديات متزايدة مرتبطة بتمويل عمليات حفظ السلام.

 

وأدت القيود المالية بحسب المعطيات التي تضمنتها الإحاطة، إلى تقليص الدوريات البرية بشكل كبير شرق وغرب الجدار الرملي، وإلغاء عمليات الاستطلاع بالمروحيات غرب الجدار، فضلا عن تأجيل استبدال عدد من المراقبين العسكريين الذين انتهت ولاياتهم.

 

وتكشف هذه الإجراءات أن النقاش حول مستقبل «مينورسو» لم يعد مرتبطا فقط بمضمون ولايتها السياسية، بل أصبح مرتبطا أيضا بسؤال أكثر عملية: ما حجم الموارد التي تحتاجها البعثة فعليا للحفاظ على وجودها الميداني وأداء المهام المنوطة بها؟

 

ويكتسب هذا النقاش بعدا إضافيا في ظل المواقف الأمريكية المرتبطة بمستقبل البعثة.

 

فبحسب معطيات نقلا عن مصادر مسؤولة كانت واشنطن قد أبلغت المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستافان دي ميستورا، بتوجهها نحو الضغط باتجاه تقليص تمويل «مينورسو» في حال عدم إحراز تقدم في اتجاه إنهاء النزاع.

 

وارتبط هذا التوجه وفق المصادر نفسها برؤية أمريكية تعتبر أن الخيارات المرتبطة بالاستفتاء أو الانفصال لم تعد عملية، وأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل أساسا للحل السياسي الواقعي.

 

غير أن هذه المعطيات ينبغي قراءتها في إطار المواقف والتوجهات السياسية الأمريكية بشأن الملف، ولا تعني تلقائيا حدوث تغيير رسمي في ولاية «مينورسو»، باعتبار أن تحديد مهمة البعثة وتجديدها يظل من اختصاص مجلس الأمن.

 

ولا تواجه «مينورسو» هذه الضغوط بمعزل عن السياق الدولي الأوسع إذ تشهد منظومة عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة نقاشا متزايدا حول الكلفة والفعالية وإعادة توزيع الموارد.

 

وفي هذا الإطار أظهرت مذكرة داخلية للبيت الأبيض كشفت «واشنطن بوست» عن مضامينها، توجها نحو خفض كبير في ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة التنمية الدولية، إلى جانب مراجعة الدعم الموجه إلى عدد من المنظمات الدولية.

 

ومن شأن أي تقليص في المساهمة الأمريكية في تمويل عمليات حفظ السلام أن ينعكس على مختلف البعثات الأممية، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في تمويل هذه العمليات.

 

وبالتالي فإن مستقبل «مينورسو» لا تحدده فقط التطورات الخاصة بملف الصحراء، وإنما يتقاطع أيضا مع إعادة تقييم دولية أوسع لطريقة تمويل وإدارة عمليات حفظ السلام الأممية.

 

ومع اقتراب أكتوبر، تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن الذي سيبحث مستقبل ولاية «مينورسو»، في ظل واقع ميداني ومالي وتنظيمي مختلف عما كان عليه الوضع قبل سنوات.

 

وسيكون النقاش المرتقب أمام المجلس مرتبطا بمجموعة من الأسئلة، من بينها طبيعة المهام التي تحتاجها البعثة وحجم انتشارها، ومواردها البشرية واللوجستية، وقدرتها على الحفاظ على حضور ميداني فعال، إضافة إلى علاقتها بالمسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة.

 

وفي هذا السياق يأتي تعيين اللواء جواد أحمد في لحظة تتقاطع فيها إعادة ترتيب القيادة العسكرية مع مراجعة أوسع لطريقة اشتغال البعثة.

 

ولا يعني ذلك بالضرورة أن التعيين يحمل في حد ذاته تحولا في طبيعة المهمة الأممية، لكنه يضع القائد الجديد أمام مرحلة دقيقة تتطلب التعامل مع تحديات ميدانية ومالية وتنظيمية متزايدة.

 

وبينما تستعد «مينورسو» لدخول مرحلة جديدة بقيادة عسكرية باكستانية، يبدو أن السؤال الأهم الذي سيطرح نفسه خلال الأشهر المقبلة لن يتعلق فقط بمن يقود القوات، وإنما بأي نموذج ستواصل البعثة العمل، وبأي حجم من الموارد وتحت أي تصور لمستقبل دورها في ظل التحولات السياسية التي يعرفها ملف الصحراء.

 

ومن المرتقب أن يقدم قرار مجلس الأمن المقبل مؤشرات أوضح بشأن اتجاهات المرحلة وما إذا كانت «مينورسو» ستواصل أداء مهامها بالصيغة الحالية، أم ستدخل تدريجيا مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة وترشيد الموارد وتكييف آليات عملها مع واقع سياسي وميداني يتغير باستمرار.

الاخبار العاجلة