العيون الآن.
حمزة وتاسو
لا يمكن لأي متابع منصف للتحولات الإفريقية أن يغفل عن البعد العميق الذي تحمله زيارة الرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما للمملكة المغربية، ولا عن رمزية الموقف الجديد الذي أعلنه حزبه “أومخونتو وي سيزوي” (MK) بدعمه الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هي لحظة نادرة تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إلى عمق التحول السياسي، بل قد تكون بداية لتصحيح تاريخي لموقف ظل لعقود رهينا لأيديولوجيا جامدة وظلم مزمن أُلبس زورا لبوس “التحرر”.
لقد كانت جنوب إفريقيا ومنذ نهاية نظام الأبارتهايد، من أبرز المدافعين عن جبهة البوليساريو، مدفوعة بتضامن ثوري قد نفهم خلفياته العاطفية، لكننا لم نلمس فيه يوما إنصافا للحقيقة، ولا فهما لخصوصيات الملف وما بين اعتراف حكومة ثابو مبيكي بالكيان الوهمي سنة 2004، وتجميد العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، ظلت بريتوريا صوتا معارضا لحق المملكة في صيانة وحدتها الترابية، مستندة إلى مواقف متقادمة، تجاوزها الواقع والوقائع.
لكن يبدو أن البوصلة بدأت تتجه نحو وجهتها الصحيحة حزب زوما، ثالث أكبر قوة سياسية في البلاد، لا يخرج بموقفه الداعم لمقترح الحكم الذاتي عن فراغ بل هو تعبير عن وعي جديد ينضج داخل جنوب إفريقيا، يعيد التفكير في الاصطفافات القديمة، ويقرأ بعين جديدة حجم الزخم الدبلوماسي الذي راكمه المغرب خلال العقدين الأخيرين.
مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب منذ 2007، لم تعد خيارا مغربيا فقط، بل باتت تحظى باعتراف أممي متزايد، ودعم من قوى كبرى، من واشنطن إلى مدريد، ومن باريس إلى العواصم الإفريقية التي بدأت تتخلص من رواسب الحرب الباردة ومخلفات العداء المجاني للمملكة.
إن موقف حزب MK، بوصفه حزبا وطنيا ناشئا في جنوب إفريقيا، لم يتبن فقط طرح المغرب، بل وصفه بأنه “إطار واقعي وعملي لحل النزاع المفتعل”، مؤكدا احترامه لسيادة المغرب، وضامنا لحقوق ساكنة أقاليمه الجنوبية، إنها شهادة سياسية تحمل في طياتها شجاعة الاعتراف، وتوقا لبناء علاقات إفريقية على قاعدة الاحترام والسيادة، لا على منطق الابتزاز الإيديولوجي.
وما يزيد من أهمية هذا التحول أنه يتزامن مع تراجع دعم عدد من الدول الإفريقية للجبهة الانفصالية، ومع صعود خطاب إفريقي عقلاني، بات يرفض التورط في صراعات عبثية تفرق أكثر مما توحد.
ولعل الدرس الأهم من هذا التطور هو أن الحق المغربي في صحرائه لا يسقط بالتقادم، بل يترسخ في ضمير الأمم مع الزمن، لأن قضيتنا عادلة ولأننا لم نساوم على وحدتنا، بل انفتحنا على كل الحلول الواقعية، وتمسكنا بالشرعية الدولية، دون أن نفرط في ذرة من ترابنا.
إننا كمغاربة، ننظر إلى انفتاح جزء من النخبة السياسية الجنوب إفريقية على مقترح الحكم الذاتي، لا باعتباره “نصرا دبلوماسيا” فقط، بل كعلامة على أن إفريقيا بدأت تستعيد وعيها، وتتحرر من خطاب الانقسام والتشكيك.
المغرب لا يريد من أحد أن يجامل قضيته، بل يريد فقط أن تقرأ بحياد ونزاهة، وما حصل في الرباط بين ناصر بوريطة وجاكوب زوما، لم يكن مجرد لقاء سياسي عابر، بل لحظة تؤشر لبداية تصحيحٍتأخر كثيرا لكنه حين يأتي، يحمل في طياته أملا كبيرا.
وإننا نأمل من موقعنا كمواطنين مغاربة، أن تتحول هذه الإشارات إلى مواقف رسمية، وأن تدرك جنوب إفريقيا أن الرهان على التقسيم فاشل، وأن المستقبل لا يبنى على الانفصال، بل على الوحدة والسيادة والتكامل القاري.
المغرب ماض في صحرائه والصحراء في مغربها، وكل صوت يعود إلى جادة الإنصاف هو انتصار جديد للحق.











