بين مجلس الأمن ولجنة الـ24.. هل دخل ملف الصحراء مرحلة تجاوز مقاربة “تصفية الاستعمار”؟

محرر مقالات29 مايو 2026
بين مجلس الأمن ولجنة الـ24.. هل دخل ملف الصحراء مرحلة تجاوز مقاربة “تصفية الاستعمار”؟

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة – العيون

 

يتجه النقاش المرتبط بملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة نحو منعطف سياسي ودبلوماسي غير مسبوق بعدما بدأت تتصاعد بشكل متزايد، أصوات تعتبر أن استمرار إدراج النزاع ضمن اللجنة الرابعة والعشرين المعنية بتصفية الاستعمار لم يعد ينسجم مع التحولات التي عرفها الملف داخل مجلس الأمن الدولي، ولا مع طبيعة المقاربة السياسية التي باتت تؤطر مسار التسوية الأممية.

 

هذا التحول برز بشكل واضح خلال مداخلة السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال، أمام المؤتمر الإقليمي للجنة الـ24 المنعقد بماناغوا، حين اعتبر أن الإبقاء على قضية الصحراء ضمن أجندة اللجنة أصبح “أمرا متجاوزا”، مشددا على أن مجلس الأمن حسم من خلال القرار 2797، الإطار السياسي الذي ينبغي أن يتحرك داخله الملف.

 

تصريحات هلال تعكس اتجاها مغربيا متصاعدا يسعى إلى نقل النقاش حول الصحراء من المرجعيات الإيديولوجية المرتبطة بسياقات الحرب الباردة وتصفية الاستعمار، إلى مقاربة أممية حديثة قائمة على الواقعية السياسية والحلول القابلة للتطبيق تحت إشراف مجلس الأمن، باعتباره الهيئة المخول لها تدبير قضايا السلم والأمن الدوليين.

 

وفي هذا السياق يرى ناجي مولاي الحسن، في تصريح خص به “العيون الآن” أن استمرار وجود الملف داخل اللجنة الرابعة يخلق ما وصفه بـ”التناقض الأممي”، موضحا أن الأمم المتحدة لا يمكن أن تواصل تدبير القضية عبر مسارين مختلفين؛ أحدهما سياسي تفاوضي يقوده مجلس الأمن، والآخر يستند إلى منطق تصفية الاستعمار الذي يعود إلى سياقات دولية تجاوزها الزمن.

 

وأوضح مولاي الحسن أن القرار 2797 كرس بشكل عملي توجها دوليا يعتبر الحكم الذاتي الحل الواقعي والوحيد القابل للتنفيذ، مشيرا إلى أن أكثر من 130 دولة باتت تدعم المقترح المغربي، في وقت أصبح فيه المنتظم الدولي أكثر اقتناعا بضرورة الانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة تنزيل الحل السياسي.

 

وبحسب المتحدث نفسه فإن الإبقاء على الملف داخل اللجنة الرابعة لم يعد ينسجم حتى مع المنطق القانوني والسياسي الذي يحكم عمل الأمم المتحدة، مضيفا أن مسار “تصفية الاستعمار” نش في سياق تاريخي خاص مرتبط بنهاية الستينيات وبصعود حركات التحرر، بينما بات ملف الصحراء اليوم يناقش داخل مجلس الأمن باعتباره نزاعا إقليميا يتطلب حلا سياسيا واقعيا يضمن الاستقرار الإقليمي ويحفظ الأمن والسلم في المنطقة.

 

كما اعتبر أن التوجه الأقرب خلال المرحلة المقبلة قد لا يكون السحب الفوري للملف من اللجنة الرابعة، بحكم تعقيدات المساطر الأممية، وإنما تجميده على الأقل إلى حين استكمال المسار السياسي الذي يقوده مجلس الأمن، خاصة مع تنامي المؤشرات الدبلوماسية التي توحي بإمكانية حدوث تحول نوعي خلال مداولات أكتوبر المقبل.

 

يأتي هذا النقاش في وقت تشهد فيه المقاربة المغربية زخما دبلوماسيا متصاعدا، مدعوما بمواقف قوى دولية كبرى، على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، اللتان عادتا مؤخرا للتأكيد، عبر لقاء جمع مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولس، بمدير شمال إفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية الفرنسية روماريك روانيان، على ضرورة الدفع نحو “حل سلمي ودائم ومقبول من جميع الأطراف” وفق مرجعية القرار 2797.

 

يعكس هذا التنسيق الأمريكي الفرنسي، بحسب متابعين تحولا تدريجيا في هندسة التعاطي الدولي مع الملف، حيث باتت القوى المؤثرة داخل مجلس الأمن أكثر ميلا إلى دعم الحلول الواقعية، بعيدا عن المقاربات التقليدية التي ظلت تؤطر النزاع لعقود دون نتائج ملموسة.

 

إن الرباط نجحت خلال السنوات الأخيرة في إعادة تموقع ملف الصحراء داخل الأجندة الدولية، ليس فقط عبر الحشد الدبلوماسي والدعم السياسي المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي، بل أيضا من خلال ربط الطرح المغربي بمنطق الاستقرار والتنمية والشراكات الإقليمية، في منطقة أصبحت تحتل أهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة للقوى الكبرى.

 

كما أن التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية على مستوى البنيات التحتية والاستثمارات والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق، عززت من حضور المقاربة المغربية داخل النقاش الأممي، باعتبارها لا تقدم فقط تصورا سياسيا للحل، بل نموذجا تنمويا قائما بالفعل على الأرض.

 

وبينما لا يزال الملف رسميا ضمن أجندة اللجنة الرابعة، فإن النقاش الذي بدأ يتصاعد داخل الأوساط الدبلوماسية والسياسية حول جدوى استمرار هذا المسار، يعكس في حد ذاته حجم التحول الذي طرأ على طريقة التعاطي الأممي مع القضية، في ظل تزايد القناعة الدولية بأن النزاع دخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى البحث عن تسوية نهائية تحت سقف الواقعية السياسية.

الاخبار العاجلة