بين التحول الدبلوماسي وتوازنات الأمم المتحدة.. ملف الصحراء يدخل مرحلة جديدة في اللجنة الرابعة

محرر مقالات25 مايو 2026
بين التحول الدبلوماسي وتوازنات الأمم المتحدة.. ملف الصحراء يدخل مرحلة جديدة في اللجنة الرابعة

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

تنعقد اجتماعات اللجنة الرابعة والعشرين التابعة للأمم المتحدة المعنية بتصفية الاستعمار هذا العام وسط معطيات سياسية ودبلوماسية تعكس تحولا تدريجيا في مقاربة ملف الصحراء داخل المنتظم الدولي، حيث لم يعد النقاش محصورا في الإطار الكلاسيكي لتصفية الاستعمار، بقدر ما بات يرتبط بشكل متزايد بمنطق الحلول السياسية الواقعية وقابلية التنفيذ، في ظل اتساع دائرة الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

 

تأتي هذه الاجتماعات المقررة ما بين 25 و27 ماي، في سياق دولي يشهد إعادة ترتيب واضحة لأولويات عدد من الفاعلين المؤثرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وعدد من العواصم الأوروبية والإفريقية، حيث برز خلال الفترة الأخيرة توجه متصاعد نحو دعم مقاربات عملية تركز على الاستقرار الإقليمي ومعالجة التحديات الأمنية والتنموية في منطقة الساحل والصحراء، بدل الاستمرار في مقاربات سياسية ظلت لعقود محكومة بالجمود.

 

وفي هذا السياق يكتسب الموقف الأمريكي أهمية مركزية، بعدما انتقل من موقع المتابعة التقليدية إلى فاعل دبلوماسي يدفع باتجاه تسوية قائمة على مقترحات قابلة للتطبيق، في مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي التي باتت تطرح داخل النقاش الأممي باعتبارها أرضية جادة وذات مصداقية للتفاوض، وهو ما أعاد تشكيل جزء من هندسة النقاش الدولي حول الملف.

 

تتزامن هذه التطورات مع معطى لافت يتمثل في اعتراف جبهة البوليساريو نفسها بشكل غير مسبوق، بأن المفاوضات غير الرسمية الجارية تحت إشراف الأمم المتحدة وبمواكبة أمريكية تتمحور فعليا حول مقترح الحكم الذاتي، وهو ما يعكس تحوّلا في طبيعة الخطاب السياسي للجبهة، بعد مرحلة طويلة من رفض مناقشة المبادرة المغربية كأساس للتفاوض. كما أن الإشارة إلى عقد جولات محادثات في الولايات المتحدة وإسبانيا يعزز هذا التوجه نحو انتقال النقاش إلى مستوى أكثر واقعية.

 

في المقابل تشهد الساحة الدولية توسعاً ملموسا في دائرة الدعم لمقترح الحكم الذاتي، حيث سجلت خلال الأشهر الأخيرة مواقف داعمة من أكثر من 15 دولة من مختلف القارات، بما في ذلك دول إفريقية وازنة مثل مالي وبوركينا فاسو وكينيا والكوت ديفوار وإفريقيا الوسطى، وهو ما يعكس تحوّلا تدريجيا في المقاربة الإفريقية للملف، بالتوازي مع تراجع حضور الطرح الانفصالي داخل القارة.

 

وفي أوروبا عززت دول مثل فرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا، إلى جانب المفوضية الأوروبية، دعمها للمقاربة المغربية، في سياق يؤشر إلى تقارب متزايد داخل الفضاء الأوروبي حول أولوية الحل السياسي الواقعي تحت إشراف الأمم المتحدة. ويبرز الموقف الفرنسي تحديدا كأحد العناصر الأكثر تأثيرا في إعادة تشكيل التوازنات المرتبطة بالملف داخل الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن.

 

أما في الأمريكيتين، فقد حافظت الولايات المتحدة على موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، فيما انضمت دول مثل كندا وكوستا ريكا وبنما والإكوادور وهايتي إلى هذا الاتجاه، ما يعكس اتساع قاعدة التأييد داخل فضاء تقليدي التأثير في مسار القرارات الأممية. كما امتد هذا الزخم إلى آسيا والعالم العربي، حيث جددت اليابان دعمها للمسار الأممي القائم على الواقعية، بينما واصلت دول الخليج، وفي مقدمتها البحرين، تأكيد دعمها للوحدة الترابية للمغرب ومبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية للحل.

 

هذا التحول في مواقف عدد من الفاعلين الدوليين ينعكس مباشرة على طبيعة النقاش داخل اللجنة الرابعة، التي تجد نفسها أمام معطيات جديدة تقلص تدريجيا من مساحة الطرح التقليدي المرتبط بتصفية الاستعمار، لصالح مقاربة سياسية تعتبر أن الحل النهائي يجب أن يمر عبر تسوية واقعية قابلة للتنفيذ وتستند إلى توافقات دولية متزايدة.

 

بالتوازي مع ذلك عزز المغرب موقعه التفاوضي عبر دينامية تنموية متسارعة داخل أقاليمه الجنوبية، حيث ساهمت الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية في إعادة تشكيل المشهد التنموي للمنطقة، بما منح للمقترح المغربي بعدا عمليا يقوم على الربط بين الاستقرار والتنمية، بدل الاقتصار على الطرح السياسي النظري.

 

ومن المنتظر أن يشكل حضور ممثلي الأقاليم الجنوبية داخل هذه المحطة الأممية مناسبة لتقديم هذه المؤشرات الميدانية، بما يعزز الصورة المرتبطة بالتحولات التنموية التي تعرفها المنطقة، في مقابل خطاب انفصالي يجد نفسه أمام تحديات متزايدة في إثبات حضوره داخل النقاش الدولي.

 

كما يتقاطع هذا المسار مع التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، خصوصا بعد الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، والذي أعاد التأكيد على الموقف الدولي الرافض لأي تصعيد عسكري، ودفع نحو تعزيز منطق التسوية السياسية كخيار وحيد قابل للاستمرار.

 

في ضوء هذه المعطيات، تدخل اجتماعات اللجنة الرابعة لهذا العام ضمن سياق دولي مغاير في توازناته، حيث لم يعد الملف يدار فقط داخل أطره الأممية التقليدية، بل بات يتأثر بشكل مباشر بتحولات دبلوماسية متسارعة تعيد تشكيل طبيعة النقاش حوله، في اتجاه متزايد نحو ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي كمرجعية عملية لأي حل سياسي مستقبلي.

الاخبار العاجلة