العيون الآن.
يوسف بوصولة
في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه الميامين، قدم صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، خريطة طريق جديدة تؤكد أن مسيرة الإصلاح والتنمية في المغرب لا تقف عند حدود الأرقام والمؤشرات، بل تتجاوزها إلى إعادة التفكير في النموذج التنموي بما يحقق العدالة المجالية ويضمن تحسينا ملموسا في حياة المواطنين.
أكد الخطاب الملكي السامي أن المغرب تمكن، رغم توالي الأزمات العالمية وسنوات الجفاف من الحفاظ على نسب نمو مستقرة، بفضل سياسات اقتصادية بعيدة المدى ومشاريع استراتيجية في قطاعات واعدة، مثل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والسياحة والصناعات الغذائية. وأشار جلالته إلى تضاعف الصادرات الصناعية خلال العقد الأخير، وهو ما يعكس تحول المغرب إلى منصة إنتاجية إقليمية ترتبط بشبكات تبادل حر مع أسواق تضم نحو ثلاثة مليارات مستهلك.
لكن شدد صاحب الجلالة نصره الله في المقابل على أن التنمية الاقتصادية لا قيمة لها إن لم تنعكس على المستوى الاجتماعي والمعيشي للمواطنين، مؤكداً أن “لا مكان اليوم ولا غداً لمغرب يسير بسرعتين”، في رسالة واضحة بضرورة مواجهة الفوارق الاجتماعية والمجالية التي ما زالت تؤثر على العالم القروي والمناطق الهشة.
انتقل الخطاب من التشخيص إلى اقتراح حلول عملية، إذ دعا جلالة الملك إلى إطلاق “جيل جديد من برامج التنمية الترابية” يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التضامن بين المجالات الترابية. وهي رؤية تنسجم مع نتائج الإحصاء العام للسكان لعام 2024، الذي كشف عن تحولات ديموغرافية واجتماعية عميقة، أبرزها تراجع معدل الفقر من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024، ودخول المغرب ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية العالية.
على المستوى الداخلي، وجه جلالة الملك دعوة صريحة لضمان التحضير الجيد للانتخابات التشريعية المقبلة، في إطار من النزاهة والشفافية، مؤكداً أن العملية الانتخابية تمثل لحظة أساسية في تجديد المؤسسات وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
خارجياً، أعاد الملك التأكيد على سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، داعيا حكامها إلى “الجلوس على طاولة الحوار” لتجاوز الخلافات وبناء اتحاد مغاربي قوي. وهي دعوة تعكس قناعة راسخة بأن مستقبل شعوب المنطقة يتطلب تجاوز صراعات الماضي والانخراط في مشروع تكاملي يخدم التنمية والاستقرار.
وفي ملف الصحراء المغربية، عبّر جلالته عن اعتزازه بالدعم الدولي المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي، موجها الشكر لبريطانيا والبرتغال على مواقفهما الداعمة، ومؤكداً أن هذه المبادرة هي “الحل الوحيد والنهائي” للنزاع، بما يضمن مصالح جميع الأطراف ويعزز السلم الإقليمي.
واختتم الملك خطابه بتوجيه رسالة تقدير وإشادة للقوات المسلحة الملكية وباقي الأجهزة الأمنية، مؤكداً مكانتها كدعامة أساسية في حماية استقرار الوطن وصون سيادته.
خطاب العرش لهذه السنة لم يكن مجرد استعراض للمنجزات، بل كان إعلانا عن مرحلة جديدة تتطلب مقاربات مندمجة، جهوية الطابع، وتشاركية في التخطيط والتنفيذ، حتى لا يبقى جزء من المغرب خارج دينامية التقدم. وهي رؤية توازن بين الطموح الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والدبلوماسية الواقعية، في مسار يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بثبات نحو مغرب أكثر عدلا وتماسكا.











