العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
دخلت أسعار المحروقات بالمغرب الأربعاء 16 شتنبر مرحلة جديدة من الارتفاع، بعدما زاد سعر لتر الغازوال بنحو 34 سنتيما والبنزين الخالي من الرصاص بـ27 سنتيما، في خامس زيادة متتالية للغازوال منذ منتصف يوليوز بالتزامن مع اضطرابات حادة تعرفها أسواق النفط والمنتجات المكررة دوليا.
وبعد التحيين الجديد أصبح سعر الغازوال يدور حول 15.30 درهما للتر بالدار البيضاء، مقابل نحو 15.20 درهما للبنزين مع اختلافات طفيفة بين شركات التوزيع والمحطات والمدن.
ولا تقف دلالة الزيادة الجديدة عند ارتفاع كلفة التنقل بالنسبة إلى الأسر والمهنيين، إذ تعيد إلى الواجهة سؤالا اقتصاديا أوسع يتعلق بكلفة استيراد الطاقة وحجم العملة الصعبة التي يحتاج إليها المغرب لتغطية مشترياته الخارجية، خصوصا إذا استمرت أسعار النفط والمنتجات المكررة عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.
راكم الغازوال منذ منتصف يوليوز ارتفاعا بنحو 2.74 درهما للتر؛ بدأ بزيادة قدرها 69 سنتيما منتصف يوليوز، ثم درهم كامل مطلع غشت، و65 سنتيما منتصف الشهر ذاته، قبل إضافة 6 سنتيمات في فاتح شتنبر، وصولا إلى الزيادة الجديدة بـ34 سنتيما.
أدت هذه الزيادات إلى تكريس وضع غير مألوف نسبيا في السوق المغربية، بعدما أصبح الغازوال أغلى من البنزين، رغم أنه ظل تاريخيا الوقود الأرخص والأوسع استعمالا خصوصا في النقل الطرقي ونقل البضائع والمسافرين.
وتكتسب هذه الوضعية حساسية أكبر بالنظر إلى الوزن الكبير للغازوال داخل استهلاك الوقود بالمغرب، ما يعني أن ارتفاعه لا ينعكس فقط على سائقي السيارات، وإنما يمتد إلى كلفة النقل والإنتاج وتوزيع السلع وبالتالي إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.
خلف الأرقام التي تظهر على لوحات محطات الوقود توجد معادلة أخرى مرتبطة بالتجارة الخارجية للمملكة. فالمغرب مستورد صاف للطاقة، ويؤدي جزءا مهما من قيمة مشترياته من النفط والمنتجات البترولية المكررة بالعملات الأجنبية. وبالتالي فإن استمرار الأسعار الدولية عند مستويات مرتفعة يعني، عند ثبات الكميات المستوردة الحاجة إلى مبالغ أكبر من النقد الأجنبي لتأمين الاحتياجات نفسها.
يأتي ارتفاع الأسعار المحلية في ظرف دولي شديد الاضطراب، بعدما تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، متأثرا بمخاوف مرتبطة بالإمدادات وتعطل منشآت ومسارات لنقل النفط في الشرق الأوسط.
وازداد الضغط مع استهداف خط أنابيب “شرق غرب” السعودي وتعطل الشحنات من ميناء ينبع، وهي تطورات رفعت المخاوف بشأن قدرة السوق على تعويض جزء من الإمدادات في المدى القصير.
ولا تتعلق المشكلة بالنفط الخام وحده؛ إذ تواجه أسواق المنتجات المكررة، وخصوصا الديزل ضغوطا بدورها، ما يجعل البلدان المستوردة للمنتجات الجاهزة أكثر تعرضا لتحركات الأسعار الدولية.
يدخل المغرب هذه الموجة الجديدة وهو يتوفر على مستوى مرتفع من احتياطيات النقد الأجنبي، ما يمنحه هامشا مهما لامتصاص الصدمات الخارجية وتمويل الواردات.
غير أن القضية لا تتعلق فقط بالحجم الحالي لهذه الاحتياطيات، وإنما بالمدة التي يمكن أن تستمر خلالها صدمة الطاقة وبمدى ارتفاع فاتورة الاستيراد مقارنة بتدفقات العملة الصعبة القادمة من السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والصادرات والاستثمارات الأجنبية.
ولا يعني ارتفاع أسعار النفط بالضرورة تراجع الاحتياطيات بصورة فورية؛ إذ تتأثر هذه الأخيرة بمجموعة واسعة من التدفقات الداخلة والخارجة.
لكن استمرار النفط والمنتجات المكررة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة يمكن أن يزيد قيمة المشتريات الخارجية ويضغط على الميزان التجاري والحساب الجاري، ويحد بالتالي من وتيرة تراكم الاحتياطيات إذا لم تعوضه موارد خارجية إضافية.
تعيد التطورات الحالية إلى الأذهان صدمة 2022 عندما أدت الحرب الروسية الأوكرانية والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى قفزة كبيرة في فاتورة المملكة الطاقية، التي بلغت آنذاك مستويات قياسية.
ويضاف سعر صرف الدرهم إلى العناصر التي تحدد الكلفة النهائية للاستيراد. فجانب كبير من تجارة النفط والمنتجات البترولية الدولية يسعر بالدولار، ما يعني أن ارتفاع أسعار الطاقة بالتزامن مع قوة العملة الأمريكية يمكن أن ينتج صدمة مزدوجة: زيادة السعر الدولي للمنتج، وارتفاع كلفته عند تحويل قيمته إلى الدرهم.
ولهذا لا يمكن قراءة الأسعار التي يدفعها المستهلك المغربي في المحطة بمعزل عن ثلاثة متغيرات رئيسية: السعر الدولي للنفط والمنتجات المكررة، وسعر الصرف، وكلفة الاستيراد والتوزيع داخل السوق الوطنية.
وبذلك تتجاوز الزيادة الجديدة النقاش التقليدي بشأن القدرة الشرائية للمستهلكين، لتطرح سؤالا يتعلق بقدرة الاقتصاد المغربي على امتصاص صدمة طاقية دولية إذا تحولت من اضطراب ظرفي إلى موجة ممتدة.
فالاحتياطيات الحالية تمنح المملكة هامش أمان مهما، لكن ارتفاع فاتورة الطاقة لفترة طويلة يعني في المقابل خروج مبالغ أكبر من العملة الصعبة لتغطية الواردات.
وستتحدد درجة الضغط الفعلي بحسب مدة الأزمة الدولية ومسار أسعار النفط والديزل، وكذلك قدرة موارد المغرب الخارجية على مواصلة النمو وتعويض الزيادة المحتملة في فاتورة الاستيراد.
وفي انتظار اتضاح اتجاه السوق أصبحت محطات الوقود أول مكان يلمس فيه المستهلك المغربي انعكاسات الاضطرابات الدولية؛ فالغازوال الذي راكم زيادة بـ2.74 درهما في أقل من شهرين تجاوز اليوم عتبة 15 درهما، بينما يبقى السؤال الاقتصادي الأكبر مرتبطا بما إذا كانت موجة النفط الحالية ستتراجع سريعا، أم ستتحول إلى اختبار أطول للفـاتورة الطاقية وميزان المبادلات الخارجية للمملكة.




