العيون الآن.
يوسف بوصولة
حلت بمدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، وفود برلمانية أفريقية وازنة للمشاركة في الدورة العاشرة للجمعية العامة السنوية لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية (APNODE)، في حدث يعكس صعود المدينة كفضاء قاري للنقاشات المؤسساتية المرتبطة بالحكامة والتقييم وصناعة القرار. اختيار العيون لم يكن مجرد برمجة جغرافية، بل إشارة دبلوماسية واضحة إلى مكانة الأقاليم الجنوبية كمنصة لالتقاء الرؤى التنموية داخل إفريقيا.
الجلسة الافتتاحية التي احتضنتها المدينة اليوم الجمعة، شكلت مناسبة لتجديد النقاش حول دور البرلمانات الإفريقية في التقييم والمساءلة، وهو ما عبّر عنه رئيس مجلس المستشارين بالمملكة المغربية ورئيس رابطة مجالس الشيوخ والشورى والمجالس المماثلة في إفريقيا والعالم العربي (ASSECAA)، محمد ولد الرشيد، الذي قدم كلمة وُصفت بالمفصلية من حيث وضوح رسائلها وعمق محاورها.
في مستهل كلمته شدد محمد ولد الرشيد على أن التقييم لم يعد “مجرد آلية تقنية لقياس المؤشرات”، بل أصبح “أداة استراتيجية لتوجيه القرار العمومي وترشيده”، موضحا أن أي نموذج تنموي فعال يقوم على قدرة الدولة في فحص جدوى السياسات وملاءمتها للأولويات الوطنية، وقياس فعاليتها واستدامة أثرها.
ووفق رؤيته فإن التقييم لم يعد مرحلة لاحقة للتنفيذ، بل “جزء من دورة القرار”، ما يعني أن البرلمانات الإفريقية مدعوة إلى الانخراط في بناء منظومات تقييم قادرة على استباق الاختلالات وتوجيه التنمية نحو نتائج ملموسة.
ولد الرشيد اعتبر أن إفريقيا اليوم تواجه تحديات مركبة تجعل من ترسيخ ثقافة التقييم “ضرورة مُلحة لمواكبة أهداف التنمية المستدامة وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063”، مشيرا إلى أن غياب آليات تقييم فعالة يؤدي إلى هدر الإمكانيات، في حين أن التقييم الرشيد كفيل بتوجيه الموارد نحو البرامج الأكثر نجاعة.
كما دعا إلى “ترشيد الإنفاق العمومي عبر الاعتماد على الأدلة والمعطيات الدقيقة”، وهي رسالة تحمل نفَساً إصلاحيا ينسجم مع التحولات التي تعرفها المؤسسات المالية الإفريقية.
وفي محور آخر ربط رئيس مجلس المستشارين بين عمل شبكة APNODE وبين التوجه الاستراتيجي للمملكة المغربية، مؤكدا أن المغرب جعل من التعاون الإفريقي “مسارا ثابتا يقوم على الشراكة المتبادلة وتطوير القدرات”.
وأوضح أن المملكة عبر مشاريع مهيكلة كبرى في الأقاليم الجنوبية، تقدم نموذجا عمليا لسياسات تبنى على التقييم والمساءلة، مضيفا أن “تعزيز التعاون البرلماني في مجال التقييم يفتح آفاقا جديدة لتكامل مؤسسات القارة وتطوير حكامة تنموية مشتركة”.
وفي ما يشبه الرد غير المباشر على النقاش الدولي حول التنمية في الصحراء المغربية، قال ولد الرشيد إن انعقاد الدورة العاشرة في العيون “ليس اختيارا اعتباطيا”، بل لأنه “يمثل إحدى واجهات النموذج التنموي الجديد الذي جسد انتقالا من التخطيط إلى الأثر”.
هذا الربط بين مكان الاجتماع ومضمون النقاشات أعطى للحدث بُعدا سياسيا ودبلوماسيا، يعزز حضور المغرب في فضاءات التعاون جنوب–جنوب، ويضع الأقاليم الجنوبية في قلب الديناميات الإفريقية الجديدة.
واختتم محمد ولد الرشيد كلمته بالتأكيد على أهمية الدور الرقابي والتشريعي للبرلمانيين الأفارقة، باعتبارهم “حلقة مركزية في ضمان تنفيذ السياسات بكفاءة وفعالية”، داعيا إلى تطوير آليات تشريعية ومؤسساتية تجعل من التقييم ثقافة مؤسساتية وليس مجرد ممارسة ظرفية.











