الجزائر تعود إلى باماكو بعد عامين من القطيعة.. دبلوماسية التراجع تلاحق تبون في الساحل

مدير الموقع25 أغسطس 2026
الجزائر تعود إلى باماكو بعد عامين من القطيعة.. دبلوماسية التراجع تلاحق تبون في الساحل

العيون الآن 

يوسف بوصولة – العيون

بعد أكثر من عام على القطيعة الدبلوماسية عادت الجزائر إلى فتح قنواتها مع مالي، في خطوة تعكس تحولا لافتا في موقفها من أزمة استنزفت العلاقات بين البلدين وأظهرت محدودية أدوات الضغط التي راهنت عليها الجزائر في محيطها الإقليمي.

حط الوزير الأول المالي عبد الله مايغا الاثنين 24 غشت 2026 الرحال بالعاصمة الجزائرية في زيارة عمل رسمية، حيث كان في استقباله الوزير الأول الجزائري سيفي غريب قبل أن يجتمع بالرئيس عبد المجيد تبون، في خطوة أعلنتها الجزائر باعتبارها مدخلا لإعادة إطلاق العلاقات الثنائية.

غير أن مسار تطبيع العلاقات يأتي بعد أشهر طويلة من التصعيد، اتسمت بسحب السفراء وإغلاق الأجواء، وتبادل الاتهامات، وانهيار الوساطة الجزائرية في الأزمة المالية قبل أن تبدأ الاتصالات مجددا خلال صيف 2026.

بدأت الأزمة بين الجزائر وباماكو في دجنبر 2023، بعدما اتهمت السلطات المالية الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية واحتضان شخصيات مرتبطة بالحركات المسلحة في شمال البلاد.

واستدعت مالي سفيرها من الجزائر في 20 دجنبر من العام نفسه قبل أن ترد الجزائر بالمثل فيما تصاعد الخلاف لاحقا إلى درجة إعلان باماكو في يناير 2024، إنهاء العمل بـ”اتفاق الجزائر” الموقع سنة 2015، والذي شكل لسنوات إحدى أبرز أدوات الحضور الدبلوماسي الجزائري في الملف المالي.

وتحول الخلاف لاحقا من أزمة سياسية إلى مواجهة أمنية ودبلوماسية مفتوحة، خصوصا بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية في منطقة تينزاواتين الحدودية خلال 2025، وما أعقبها من اتهامات متبادلة وانغلاق للأجواء بين البلدين.

وبعد هذه المرحلة عادت الاتصالات تدريجيا ففي يوليوز 2026 أعلنت الجزائر إعادة سفيرها إلى باماكو، قبل أن تستأنف مالي الرحلات الجوية مع الجزائر، ثم أجرى رئيسا حكومتي البلدين اتصالا هاتفيا في 9 غشت مهد الطريق للقاء المباشر الذي تُوّج بزيارة مايغا إلى الجزائر.

كما دخل ملف تبادل الأسرى على خط إعادة فتح قنوات التواصل، بعدما ساهمت الجزائر في منتصف غشت في رعاية عملية أفضت إلى الإفراج عن نحو 80 جنديا ماليا مقابل عناصر محتجزين لدى الجيش المالي. وهكذا انتقلت العلاقة خلال أسابيع من خطاب المواجهة إلى لغة الحوار والمصالحة.

اللافت في مسار الأزمة أن عودة العلاقات لم تأتِ، وفق المعطيات المتاحة، بعد إعلان باماكو تراجعها عن مواقفها الأساسية التي كانت وراء القطيعة، كما لم تترافق مع عودة “اتفاق الجزائر” أو استعادة الجزائر لدورها السابق في إدارة الملف الأمني والسياسي المالي.

بل إن التسلسل الزمني للأحداث يظهر أن باماكو حافظت خلال الأزمة على خياراتها الإقليمية، بينما اضطرت الجزائر، بعد أكثر من عام من القطيعة إلى إعادة فتح قنوات التواصل معها.

يكتسب هذا التطور أهمية أكبر بالنظر إلى التحولات التي عرفتها منطقة الساحل خلال الفترة نفسها، خصوصا مع تراجع النفوذ التقليدي للجزائر في عدد من الملفات، وصعود قنوات تعاون جديدة بين دول المنطقة وشركاء إقليميين ودوليين آخرين.

في خضم الأزمة الجزائرية المالية برز عامل إقليمي آخر تمثل في المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لفائدة دول الساحل.

ففي دجنبر 2023 توجه وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب إلى مراكش، حيث أعلنت مالي انخراطها في المبادرة الرامية إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي.

جاء ذلك في توقيت حساس بالنسبة إلى العلاقات الجزائرية المالية ما أضاف بعدا جديدا إلى التنافس على النفوذ في المنطقة.

ففي الوقت الذي كانت فيه الجزائر وباماكو تتجهان نحو القطيعة، كانت الرباط تفتح أمام مالي مسارا جديدا للتعاون الاقتصادي واللوجستي، ضمن رؤية تتجاوز منطق الوساطة السياسية إلى ربط دول الساحل بالموانئ والبنية التحتية والأسواق الدولية.

وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن عودة العلاقات الجزائرية المالية جاءت نتيجة مباشرة للمبادرة المغربية، لكنه يكشف، في المقابل أن الجزائر لم تعد تتحرك داخل المجال الإقليمي نفسه الذي كانت تتمتع فيه سابقا بهامش واسع من التأثير.

وتتجاوز دلالة التطور المالي حدود العلاقات الثنائية، بالنظر إلى تشابه مسار الأزمة مع ملفات أخرى خاضتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.

ففي علاقتها مع إسبانيا لجأت الجزائر إلى سحب سفيرها وتجميد معاهدة الصداقة وتعليق جزء من المبادلات التجارية، احتجاجا على التحول الإسباني في قضية الصحراء المغربية، قبل أن تعود العلاقات تدريجيا دون أن تغير مدريد موقفها الأساسي.

وفي الملف الفرنسي اتخذت الجزائر خطوات تصعيدية عقب إعلان باريس دعمها للسيادة المغربية على الصحراء، قبل أن تستأنف لاحقا قنوات التعاون الأمني والهجرة مع فرنسا.

أما في منطقة الساحل فقد شهدت العلاقات مع النيجر بدورها توترا بعد التغيير السياسي في نيامي قبل أن تعود قنوات التواصل بين الطرفين.

وتقدم هذه الملفات مجتمعة صورة لمسار متكرر: تصعيد دبلوماسي، ثم قطيعة أو تجميد للعلاقات، ثم إعادة فتح قنوات الحوار عندما يتضح أن أدوات الضغط لم تؤد إلى تغيير مواقف الطرف الآخر.

وتكشف العودة الجزائرية إلى باماكو عن مفارقة سياسية لافتة. فالجزائر دخلت الأزمة وهي تتمسك بدورها التقليدي في الساحل وبأهمية الوساطة التي قادتها لسنوات، لكنها خرجت منها وهي مضطرة إلى إعادة بناء قنوات التواصل مع سلطة مالية رفضت صراحة استمرار الدور الجزائري بالشكل السابق.

وفي الوقت ذاته توسعت خيارات مالي خارج دائرة النفوذ الجزائري، سواء من خلال علاقاتها مع دول الساحل الأخرى، أو عبر المبادرة الأطلسية المغربية، أو من خلال إعادة ترتيب علاقاتها مع شركاء دوليين وإقليميين.

وبذلك لا تبدو زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر مجرد موعد بروتوكولي لإعادة الدفء إلى العلاقات، بل محطة تكشف حجم التحول الذي طرأ على ميزان النفوذ في المنطقة.

عودة الاتصالات بين الجزائر ومالي لا تعني نهاية الخلافات بين البلدين، ولا تؤسس تلقائيا لعودة العلاقة إلى ما كانت عليه قبل دجنبر 2023. لكنها تؤكد أن استمرار القطيعة لم يعد خيارا قابلا للاستدامة بالنسبة إلى الطرفين.

والأهم أن الجزائر تعود إلى الحوار مع باماكو بعد أن فقدت جزءا من أدواتها التقليدية في التأثير داخل الملف المالي، وبعد أن اختارت مالي فتح قنوات جديدة مع شركاء آخرين.

ومن مالي إلى النيجر ومن إسبانيا إلى فرنسا تتكرر ملامح المشهد: قرارات تصعيدية، رهانات على تغيير مواقف الخصوم، ثم عودة تدريجية إلى طاولة الحوار دون تحقق الأهداف المعلنة للتصعيد.

وفي هذا السياق تبدو زيارة الوزير الأول المالي إلى الجزائر أكثر من مجرد مصافحة دبلوماسية؛ فهي محطة جديدة في مسار إعادة ترتيب النفوذ في شمال إفريقيا والساحل، حيث باتت قدرة الجزائر على فرض شروطها على محيطها الإقليمي تواجه اختبارات متزايدة، فيما تفرض التحولات الجيوسياسية على صانع القرار في الجزائر إعادة حساباته والانتقال من سياسة الضغط إلى سياسة احتواء الخسائر.

الاخبار العاجلة