الموانئ المغربية…استراتيجية دولة لإعادة رسم الموقع في الاقتصاد العالمي

محرر مقالات19 فبراير 2026
الموانئ المغربية…استراتيجية دولة لإعادة رسم الموقع في الاقتصاد العالمي

العيون الآن.

حمزة وتاسو / جزر الكناري.

 

يشهد المغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، تحولا عميقا في فلسفة تموقعه داخل الاقتصاد العالمي، حيث انتقل من توظيف موقعه الجغرافي كمعطى ثابت إلى استثماره كأداة سيادية لإعادة بناء دوره في حركة التجارة الدولية، وتكمن أهمية هذا التحول في كونه أعاد تعريف البحر من حدود طبيعية إلى رافعة جيو-اقتصادية متكاملة.

 

أعاد المغرب في مطلع الألفية الجديدة صياغة نظرته إلى امتداده البحري، معتبرا أن الواجهة الساحلية الممتدة على نحو 3500 كيلومتر تمثل فرصة استراتيجية نادرة في المنطقة، وأدرجت الدولة البعد البحري ضمن رؤية اقتصادية شاملة، تقوم على تحويل الموقع بين أوروبا وإفريقيا، وعلى مقربة من مضيق جبل طارق، إلى عنصر قوة داخل سلاسل التوريد العالمية، وتبلورت هذه الرؤية لاحقا في استراتيجية وطنية للموانئ في أفق 2030، هدفت إلى الانتقال من نموذج الميناء التقليدي إلى شبكة موانئ متخصصة ومتكاملة، موزعة الأدوار والوظائف.

 

جسد ميناء طنجة المتوسط هذا التحول بأوضح صوره، منذ انطلاق تشغيله سنة 2007، وتحول المركب المينائي في أقل من عقدين إلى منصة عبور دولية تربط بين القارات، بعدما عالج خلال سنة 2025 ما يفوق 11,1 مليون حاوية مكافئة، مسجلا نموا سنويا متواصلا، وعززت هذه الأرقام مكانته كأحد أبرز موانئ الحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، خاصة بعد تجاوزه عتبة 10 ملايين حاوية سنة 2024.

 

وامتد أثر الميناء إلى ما هو أبعد من الأرقام التشغيلية، إذ ارتبط بمنصة صناعية كبرى تضم مئات الشركات الدولية، خاصة في قطاع السيارات والصناعات التحويلية، وأسهم في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل، وفي تقليص زمن وكلفة النقل، وربط المغرب مباشرة بخطوط الملاحة الكبرى عبر أكثر من 180 ميناء حول العالم.

 

أطلقت الدولة مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط لتعزيز التوازن داخل الخريطة المينائية الوطنية، ويراهن هذا المشروع، بطاقة أولية تقارب 3,4 ملايين حاوية سنويا، على استقطاب الصناعات المرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستية، وينتظر أن يسهم في تخفيف الضغط عن طنجة المتوسط، وفي خلق قطب صناعي جديد بالجهة الشرقية، بما يعيد توزيع الدينامية الاقتصادية على المستوى الترابي.

 

يحافظ ميناء الدار البيضاء على مكانته كعمود فقري للتجارة الوطنية، بحكم موقعه داخل العاصمة الاقتصادية، ويستوعب نحو ثلث الرواج المينائي الوطني ضمن الموانئ التي تديرها الوكالة الوطنية للموانئ، ما يجعله نقطة ارتكاز لسلاسل التوريد الداخلية، ويؤدي دورا محوريا في تدبير الواردات الطاقية والسلع الاستهلاكية، وفي تصدير الفوسفاط والمنتجات الصناعية والغذائية، ضمن توزيع أدوار متكامل مع الموانئ الصاعدة.

 

يجسد ميناء الداخلة الأطلسي الرهان الجنوبي للاستراتيجية المينائية، وتقدر كلفة إنجازه بحوالي 12,6 مليار درهم، مع مؤهلات لاستقبال سفن كبيرة الحجم، بما يعزز موقع المغرب على الواجهة الأطلسية، وينتظر أن يتحول إلى منصة لوجستية نحو غرب إفريقيا، وأن يواكب تطوير أنشطة الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، في انسجام مع التوجه العام لتعزيز الحضور المغربي في العمق الإفريقي.

 

تكشف هذه المشاريع مجتمعة عن سياسة دولة طويلة النفس، تقوم على توزيع جغرافي دقيق للأدوار بين الشمال والشرق والوسط والجنوب، وتعكس انتقال المغرب من منطق البنية التحتية المنفصلة إلى منطق الشبكة المينائية المترابطة، القادرة على استقطاب التجارة الدولية وتعزيز الاستثمار، وتؤكد أن البحر لم يعد مجرد فضاء للعبور، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، ودعامة أساسية لتموقع المملكة داخل اقتصاد عالمي يتسم بالتنافس على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد.

الاخبار العاجلة